kawalisrif@hotmail.com

مليلية :      حين تتحول “السفن الإنسانية” إلى أدوات لترسيخ الاحتلال

مليلية : حين تتحول “السفن الإنسانية” إلى أدوات لترسيخ الاحتلال

في مشهد يعيد إلى الواجهة حقيقة الوجود الإسباني فوق التراب المغربي المحتل، رست السفينة متعددة المهام “كارنوطا” بميناء مليلية المحتلة، ليس باعتبارها مجرد وحدة لوجستية عابرة، بل كحلقة جديدة ضمن سياسة ترمي إلى تكريس الأمر الواقع الاستعماري، الذي تحاول مدريد تغليفه بخطاب “الخدمة” و“الاستقرار” و“الأمن البحري”، بينما يظل جوهره الحقيقي تثبيت حضور عسكري فوق أرض ما تزال محل نزاع تاريخي وسياسي.

الصحافة الإسبانية تناولت الحدث بنبرة احتفالية، مقدمة السفينة باعتبارها وسيلة لدعم وتموين الجزر والثغور المحتلة، من الجزر الجعفرية إلى صخرة بادس والحسيمة، وكأن الأمر يتعلق بأراضٍ إسبانية ذات سيادة كاملة، لا بمواقع مغربية لا يزال الاحتلال يفرض نفسه عليها منذ قرون، رغم كل محاولات التطبيع السياسي والإعلامي مع هذا الواقع.

الأخطر في الرواية الإسبانية هو السعي إلى تليين الطابع العسكري وإخفائه خلف قناع “الإنسانية”. فاسم السفينة “كارنوطا” يُقدَّم كتخليد لعملية إنقاذ مدنية قديمة، بينما يكشف الواقع الميداني أنها جزء من منظومة تشغيلية تؤدي مهام مراقبة وسيطرة بحرية في مناطق حساسة قبالة السواحل المغربية. إنها معادلة تتكرر باستمرار: خطاب إنساني ناعم يخفي وراءه حضوراً عسكرياً صلباً وممنهجاً.

قائد السفينة تحدث عن “الخدمة لإسبانيا والإسبان”، غير أن هذه “الخدمة” ترتبط، في العمق، بوظيفة استراتيجية تتجاوز الدعم اللوجستي، قوامها تثبيت الاحتلال في شمال إفريقيا، وتأمين الثغور المحتلة التي ترفضها الذاكرة الوطنية المغربية قبل أي حسابات سياسية. فالسفينة لا تؤدي فقط مهام التموين، بل تشارك أيضاً في عمليات مراقبة بحرية دقيقة، وتتبع التحركات، وحماية منشآت حساسة ضمن منظومة عسكرية متكاملة تتحرك بهدوء فوق البحر وعلى اليابسة.

وتدرك إسبانيا جيداً أن وجودها في مليلية والجزر المحتلة لا يستند إلى شرعية تاريخية محسومة كما تروج لذلك، بل إلى واقع سياسي معلق تحكمه التوازنات الدولية وحسابات الظرفية. لذلك تواصل تعزيز حضورها العسكري بشكل تدريجي، من خلال تحديث أسطولها البحري، وتكثيف المناورات، وإدخال سفن متعددة المهام، في محاولة لفرض صورة “السيادة الطبيعية” بالقوة الناعمة والخشنة في آن واحد.

لكن، مهما تعددت السفن وتكاثفت التحركات، تبقى الحقيقة ثابتة: مليلية مدينة مغربية محتلة، والجزر الجعفرية وصخرة بادس والحسيمة ليست “مناطق سيادة”، بل بقايا استعمار أوروبي ما يزال عالقاً على الضفة الجنوبية للمتوسط، في تناقض واضح مع خطاب العصر وشعارات إنهاء الاستعمار.

وإذا كانت مدريد تعتبر وصول “كارنوطا” حدثاً لوجستياً مهماً، فإن قراءته من الضفة الأخرى لا تتجاوز كونه تذكيراً جديداً بأن ملف الثغور المحتلة لم يُغلق بعد، وأن محاولات تزييف الواقع عبر الخطاب الإعلامي أو الاستعراض العسكري لا يمكنها أن تمحو الجغرافيا أو تعيد كتابة التاريخ.

فالاحتلال، مهما طال أمده، يبقى احتلالاً… حتى وإن غُلِّف بسفن تحمل أسماء إنسانية وشعارات إنقاذية.

وفي المحصلة، قد تنجح إسبانيا في إغراق مليلية بالمزيد من السفن والعتاد والخطابات الدعائية، وقد تتمكن من تحسين صورة وجودها العسكري أمام العالم، لكنها ستظل عاجزة عن تغيير حقيقة راسخة: أن الشرعية لا تُصنع بالتكرار، وأن الاستعمار لا يتحول إلى حق بفعل الزمن.

فكل سفينة ترسو هناك لا تثبت سيادة بقدر ما تكشف عن قلق استراتيجي دائم تجاه جغرافيا لا تنسى أصحابها، وتاريخ يرفض المحو، وواقع يصر على أن هذه الأرض لم تنفصل يوماً عن هويتها الأصلية.

ومهما ارتفعت الأعلام فوق الموانئ المحتلة، سيبقى البحر شاهداً صامتاً على حقيقة لا تُمحى: أن ما يحتاج إلى كل هذا الحشد العسكري والدعائي لإثبات “إسبانيته”، هو في العمق أرض ما تزال تنبض بانتمائها الأول، رغم كل محاولات الطمس والتثبيت القسري.

12/05/2026

مقالات خاصة

Related Posts