في مشهد يعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة وصراعات الممرات البحرية الكبرى، تحوّل مضيق جبل طارق، القريب من السواحل المغربية، إلى بؤرة توتر دولي مفتوح، بعدما ظهرت غواصات نووية أمريكية وبريطانية في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصاعد حرب النفوذ بين واشنطن وبكين، وعودة شبح التهريب والأساطيل الغامضة إلى مياه البحر الأبيض المتوسط.
وبين رسائل الردع النووي، وتحركات “ناركوس” الجنوب، وصعود الموانئ المغربية بقوة، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة عنوانها: من يسيطر على المضائق يسيطر على العالم.
وخلال الأيام الأخيرة، تحوّل مضيق جبل طارق إلى مسرح لاستعراض قوة عسكرية غير مسبوقة، بعدما ظهرت غواصتان نوويتان أمريكية وبريطانية في المنطقة، وسط تصاعد التوترات العالمية حول المضائق البحرية الاستراتيجية، من هرمز إلى باب المندب وتايوان.
وكشفت صحيفة إسبانية أن الغواصة النووية الأمريكية USS Alabama، إحدى أقوى غواصات البحرية الأمريكية والمزوّدة بصواريخ نووية من طراز “ترايدنت”، رست في القاعدة البريطانية بجبل طارق بدل التوجه إلى قاعدة “روتا” الإسبانية، في خطوة وُصفت بأنها رسالة سياسية وعسكرية مباشرة إلى مدريد.
ولم تمض أيام حتى وصلت الغواصة النووية البريطانية HMS Anson القادمة من اسكتلندا، لتزداد سخونة المشهد في واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، على بعد كيلومترات قليلة فقط من السواحل المغربية.
وتزامنت هذه التحركات العسكرية مع القمة الحساسة بين الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بكين، ما دفع مراقبين إلى اعتبار ظهور الغواصات النووية رسالة أمريكية واضحة مفادها أن واشنطن قادرة على فرض نفوذها والتحكم في مضيق جبل طارق دون الحاجة إلى إسبانيا.
وشبّه المقال الإسباني مضيق جبل طارق بـ”هرمز الأوروبي”، مؤكدًا أن القوى الكبرى تخوض حاليًا سباقًا خفيًا للسيطرة على أهم المعابر البحرية في العالم.
وبحسب التقرير، تراقب واشنطن مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس ومضيق ملقا وحتى مضيق تايوان، وسط مخاوف متزايدة من تحولات جيوسياسية قد تعيد رسم خريطة التجارة والطاقة العالمية.
كما تحدث التقرير عن تقارب أمريكي ـ صيني غير معلن يهدف إلى تخفيف التوتر في الخليج، مقابل تخفيف واشنطن من لهجتها تجاه تايوان، في وقت يسعى فيه ترامب إلى الخروج من أزمة هرمز قبل الانتخابات النصفية الأمريكية.
وفي تطور خطير آخر، دقّ التقرير ناقوس الخطر بشأن تنامي نفوذ شبكات تهريب المخدرات في جنوب إسبانيا، خاصة بمحيط مضيق جبل طارق.
فقد هزّ مقتل عنصرين من الحرس المدني الإسباني، خلال مطاردة زورق للمخدرات قبالة سواحل هويلفا، الرأي العام الإسباني، بينما شهدت سواحل ألميريا حادثًا جديدًا بعدما اصطدم زورق تابع للمهربين بسفينة للمراقبة الجمركية.
ووفق معطيات الأمن القومي الإسباني، يمتلك مهربو المخدرات حوالي 600 زورق سريع ينشطون بين سواحل الأندلس والمضيق، مستفيدين من تعقيدات الجغرافيا البحرية للمنطقة.
الأخطر في التقرير كان الحديث عن تحركات ما يسمى بـ”الأسطول الروسي الشبح”، الذي يضم عشرات السفن المستخدمة في تهريب النفط، والتي تعبر أسبوعيًا قرب جزر الكناري ومضيق جبل طارق وبحر البوران.
كما أعاد المقال فتح ملف السفينة الروسية Ursa Major، التي غرقت في ظروف غامضة قبالة سواحل مورسيا أواخر سنة 2024، بعدما كشفت تقارير أمريكية أنها كانت تنقل مواد مرتبطة بمفاعل نووي كوري شمالي، مع فرضية تعرضها لهجوم من غواصة مجهولة.
وسط هذا التوتر الدولي، برز المغرب كأحد المستفيدين اقتصاديًا من التحولات الجديدة في الملاحة البحرية.
فميناء طنجة المتوسط يواصل تسجيل نمو متسارع، مستفيدًا من تحويل جزء من حركة التجارة العالمية نحو السواحل الإفريقية بسبب اضطرابات البحر الأحمر والخليج.
كما يواصل المغرب تطوير مشروع “الناظور غرب المتوسط” بالقرب من مليلية المحتلة، في إطار استراتيجية اقتصادية طويلة المدى تهدف إلى تحويل شمال المملكة إلى قطب لوجستي وتجاري ضخم يربط إفريقيا بأوروبا.
ويرى مراقبون أن الرباط تتحرك بهدوء لبناء قوة بحرية وتجارية متصاعدة، في وقت تتحول فيه الضفة الشمالية من المضيق إلى منطقة توتر أمني وعسكري متزايد.
وفي الوقت الذي تتحرك فيه الغواصات النووية بصمت تحت مياه المضيق، وتشتعل فوقه صراعات النفوذ والطاقة والمخدرات، تبدو المنطقة وكأنها تقف على حافة مرحلة جيوسياسية جديدة لا مكان فيها للحياد.
فمضيق جبل طارق لم يعد مجرد معبر بحري بين قارتين، بل أصبح رقعة شطرنج عالمية تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى، فيما يراقب المغرب التحولات المتسارعة من الضفة المقابلة، وهو يدرك أن معركة المستقبل لن تُحسم فقط بالسلاح، بل بمن يملك الموانئ والموقع والقدرة على التحكم في طرق التجارة العالمية.
وفي ختام المقال، تؤكد الصحيفة الإسبانية أن مضيق جبل طارق، وإن لم يتحول بعد إلى ساحة حرب مفتوحة مثل مضيق هرمز، فإنه أصبح “منطقة عصبية” شديدة الحساسية تتقاطع فيها رهانات السياسة الدولية والطاقة وتهريب المخدرات والتجسس العسكري وصراع النفوذ بين القوى الكبرى.
وفي قلب هذا التحول الجيوسياسي المتسارع، يبرز المغرب كفاعل إقليمي صاعد يعزز حضوره البحري والاقتصادي بثقة، مستفيدًا من موقعه الاستراتيجي ومن القوة المتنامية لموانئه الكبرى، وعلى رأسها طنجة المتوسط وميناء الناظور غرب المتوسط، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى المملكة باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية للتحكم في مستقبل التجارة والأمن البحري بغرب البحر الأبيض المتوسط.
17/05/2026