في وقت تُكثر فيه إسبانيا من الحديث عن “الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية”، يبدو أن الواقع فوق مضيق جبل طارق يروي قصة مختلفة تمامًا. خمس طائرات أمريكية للتزود بالوقود عادت مجددًا للتحليق بين جزر الأزور ومحيط المضيق، في استعراض عسكري أعاد إلى الواجهة سؤالًا حساسًا: من يتحكم فعليًا في سماء المنطقة؟
الطائرات الأمريكية من طراز “كي سي-46 بيغاسوس” التابعة لسلاح الجو الأمريكي انطلقت من قاعدة “لاخيس” البرتغالية، قبل أن تتجه نحو مضيق جبل طارق في مهمة وصفت بأنها “تدريب دوري”، غير أن التفاصيل التي رافقت الرحلة أوحت بأن الأمر يتجاوز مجرد مناورة اعتيادية.
حسابات متخصصة في تتبع حركة الطيران العسكري كشفت أن الرادارات التقطت في البداية طائرة ظهرت على أنها قاذفة استراتيجية أمريكية من طراز “بي-52 ستراتوفورتريس”، قادمة من الأراضي الأمريكية، قبل أن تختفي فجأة من منصات التتبع العامة، ما فتح الباب أمام موجة واسعة من التكهنات.
وبعد ساعات من الجدل، تبيّن أن الطائرة لم تكن قاذفة نووية، بل طائرة دورية بحرية من نوع “بي-8 إيه”، ظهرت نتيجة خطأ في تصنيف بيانات الرادار. لكن حتى مع هذا التوضيح، ظلّ المشهد مثيرًا للانتباه، خصوصًا أن هذه التحركات باتت تتكرر بشكل شبه أسبوعي فوق واحد من أكثر الممرات الاستراتيجية حساسية في العالم.
ووفق متابعين للشأن العسكري، فإن هذه الطلعات الجوية تُجرى ضمن برنامج يحمل اسم “التدريب الأسبوعي لناقلات لاخيس”، وترتبط بعمليات مرافقة وتحركات بعيدة المدى، وسط تداول لافت لشعارات مرتبطة بالتوترات الدولية، من بينها وسم “الحرية لإيران”.
المثير أكثر أن هذه التحركات تأتي في وقت تعيش فيه العلاقات بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية حالة شدّ خفي، خاصة بعد الخلافات المتزايدة حول الإنفاق الدفاعي، ودور حلف الناتو، وحدود النفوذ الأمريكي داخل أوروبا.
ورغم الخطاب الإسباني المتكرر حول “السيادة الأوروبية” وتقليص التبعية العسكرية لواشنطن، فإن الطائرات الأمريكية تواصل استخدام الممرات الجوية القريبة من جبل طارق بثقة كاملة، وكأن المنطقة لا تزال جزءًا من المجال الحيوي العسكري الأمريكي.
صور الرادار التي تداولها المراقبون أظهرت الطائرات الأمريكية وهي تناور غرب جزر الأزور قبل أن تتجه جنوبًا نحو محيط المضيق، في تحركات تؤكد مرة أخرى أن جبل طارق لم يعد مجرد معبر بحري، بل تحول إلى عقدة استراتيجية رئيسية في الحسابات العسكرية الأمريكية بين الأطلسي والمتوسط.
وحتى الآن، لم تُصدر مدريد أو واشنطن أي توضيحات دقيقة بشأن الهدف الحقيقي لهذه الطلعات المتكررة، باستثناء وصفها بأنها “تدريبات روتينية”. لكن في منطقة تُراقَب فيها حركة الطائرات والسفن بالثانية، يبدو أن تكرار هذا المشهد لم يعد مجرد تدريب عادي، بل رسالة ثقيلة تُكتب هذه المرة فوق سماء المضيق مباشرة.
21/05/2026