kawalisrif@hotmail.com

مغاربة العالم بين صراع الشرعيات وتصفية الحسابات.. عندما تتحول قضايا الجالية إلى ساحة معارك شخصية

مغاربة العالم بين صراع الشرعيات وتصفية الحسابات.. عندما تتحول قضايا الجالية إلى ساحة معارك شخصية

مرة أخرى، يجد مغاربة العالم أنفسهم في قلب صراع جديد لا علاقة له بمشاكلهم الحقيقية ولا بانتظاراتهم المشروعة، بل يدور حول من يملك حق الحديث باسمهم ومن يحتكر تمثيلهم. فبعد ما سُمّي بالمؤتمر الذي احتضنته مراكش تحت شعار “مغاربة العالم”، خرجت جمعية التضامن الأوروبي المغربي بفرنسا ببلاغ شديد اللهجة تتهم فيه الجهة المنظمة بالاستحواذ على المشروع، وإقصاء المؤسسين الحقيقيين، وتوظيف اسم الجالية لخدمة مصالح ضيقة.

غير أن المتابع لهذا السجال لا يمكنه إلا أن يطرح سؤالاً بسيطاً ومحرجاً في آن واحد: أين كانت قضايا الجالية طوال هذا الصراع؟

فمن جهة، تتحدث الجمعية عن “اختطاف المشروع” و”خيانة الثقة” و”الإقصاء”، ومن جهة أخرى يواصل الطرف المقابل تقديم نفسه ممثلاً لمغاربة العالم، دون أن يقدم أي طرف دليلاً واضحاً على حجم تمثيليته الحقيقية أو الآليات الديمقراطية التي منحته هذا التفويض.

والمثير للانتباه أن الخطاب المتبادل بين الطرفين يكاد يكون نسخة مكررة من عشرات الصراعات التي عرفها العمل الجمعوي المرتبط بالجالية خلال السنوات الأخيرة؛ اتهامات بالتهميش، وردود بالحديث عن الشرعية، وتبادل للتشكيك في النوايا، بينما تبقى الملفات الحقيقية لمغاربة الخارج حبيسة البيانات والبلاغات.

فالجالية المغربية المنتشرة عبر العالم لا تنتظر بيانات التخوين ولا حرب التوقيعات والأختام، بل تنتظر حلولاً لمشاكلها الإدارية والقنصلية، وتنتظر الدفاع عن حقوقها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتنتظر من يتحدث باسمها بلغة الإنجاز لا بلغة تصفية الحسابات.

وإذا كانت الجهة المشتكية تتهم منظمي المؤتمر بالانفراد بالقرار وتغليب المصالح الشخصية، فإن ذلك لا يعفيها بدورها من مسؤولية الانخراط في مسلسل الانقسامات الذي أصبح السمة الغالبة على العديد من التنظيمات التي تدّعي تمثيل الجالية. فالمواطن المغربي المقيم بالخارج لم يعد يهمه من ربح المعركة التنظيمية، بقدر ما يهمه من يملك القدرة على انتزاع حقوقه والدفاع عن مطالبه.

والخطير في هذا المشهد أن اسم “مغاربة العالم” أصبح يُستعمل أحياناً كعنوان جذاب يمنح الشرعية المعنوية لأي تجمع أو إطار، في حين أن الواقع يكشف عن غياب تمثيلية واضحة وشفافة ومؤسساتية تعكس فعلاً تنوع الجالية المغربية بالخارج.

وبين مؤتمر يتعرض لاتهامات بالهيمنة والإقصاء، وبلاغات تتحدث عن الانحراف عن الأهداف الأصلية، يظل الخاسر الأكبر هو صورة العمل الجمعوي المرتبط بالجالية، الذي يتلقى ضربة جديدة في مصداقيته أمام آلاف المغاربة المقيمين بالخارج الذين سئموا من معارك الزعامة ومنطق: “أنا أمثل الجالية أكثر منك”.

إن ما تحتاجه الجالية اليوم ليس مؤتمرات تفرز مزيداً من الخصومات، ولا بيانات تؤجج الانقسام، بل مشروعاً حقيقياً قائماً على الشفافية والكفاءة والتمثيلية الفعلية. أما الاستمرار في تحويل قضايا ملايين المغاربة بالخارج إلى منصة لتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات الشخصية، فلن ينتج سوى مزيد من فقدان الثقة واتساع الهوة بين الجالية ومن يدّعون التحدث باسمها.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الذي يتهرب منه الجميع هو الأكثر إيلاماً: من يمثل مغاربة العالم حقاً؟ أم أن الجميع أصبح يتصارع على الاسم، بينما تُترك القضايا الحقيقية معلقة في الانتظار؟

22/05/2026

مقالات خاصة

Related Posts