kawalisrif@hotmail.com

الدريوش :     طريق “الريجيم القسري”.. من كيلومترين إلى 540 متراً فقط ! فضيحة مالية تطارد مديرية الفلاحة ؟

الدريوش : طريق “الريجيم القسري”.. من كيلومترين إلى 540 متراً فقط ! فضيحة مالية تطارد مديرية الفلاحة ؟

تحول مشروع الطريق المؤدية إلى دوار إجعونة بجماعة امطالسة ضواحي الدريوش من ورش تنموي كان يُفترض أن يضع حداً لمعاناة الساكنة مع العزلة، إلى ملف يثير الكثير من علامات الاستفهام، بعدما فجّرت الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية، ومعها جمعية إجعونة لتربية المواشي والمنتفعين من المجال الغابوي، معطيات مقلقة بشأن مآل المشروع ومدى احترام أهدافه الأصلية.

فالقضية لم تعد مجرد نقاش سياسي عابر أو اختلاف في قراءة بعض المعطيات التقنية والمالية، بل باتت مرتبطة بأرقام ووثائق ومعاينات ميدانية تدفع الرأي العام إلى التساؤل عن حقيقة ما جرى في مشروع رُصدت له اعتمادات مالية مهمة تحت عنوان فك العزلة عن العالم القروي.

ووفق المعطيات الواردة في الوثائق الرسمية التي توصلت بها جريدة “كواليس الريف” ، والتي استند إليها البلاغ، فإن الحصة الثالثة الخاصة بتهيئة الطريق المؤدية إلى دوار اجعونة حُددت كلفتها التقديرية في 2.141.178 درهماً من المال العام، من أجل إنجاز طريق يبلغ طولها نحو كيلومترين.

غير أن المفاجأة التي فجرتها الجمعية المحلية تتمثل في تأكيدها أن الأشغال المنجزة على أرض الواقع لم تتجاوز 540 متراً فقط، أي ما يعادل ربع المسافة المبرمجة أصلاً.

الأسئلة التي تطرحها هذه الأرقام تبدو محرجة ويصعب تجاهلها. فكيف يمكن لمشروع رُصد له أكثر من مليوني درهم من المال العام أن يتوقف عند بضع مئات من الأمتار فقط؟ وكيف يمكن الحديث عن تحقيق أهداف التنمية القروية إذا كانت الطريق لا تصل إلى الجزء الأكبر من المستفيدين المفترضين؟

والأهم من ذلك، هل ظلت الكلفة المالية مرتبطة بما تم إنجازه فعلاً، أم أن هناك معطيات أخرى ينبغي توضيحها للرأي العام؟ وهي أسئلة لا تطرحها المعارضة السياسية وحدها، بل تطرحها أيضاً جمعية محلية تؤكد أنها عاينت الوضع ميدانياً ورفعت بشأنه شكاية رسمية إلى عامل الإقليم، مطالبة بفتح تحقيق عاجل.

البلاغ الصادر عن الكتابة الإقليمية لحزب العدالة والتنمية لم يُخف بدوره مخاوفه مما اعتبره احتمال توجيه بعض المشاريع العمومية بعيداً عن أهدافها الحقيقية، محذراً من أي تغيير قد يطال المسار أو المواصفات أو الغاية الأصلية للمشروع.

واعتبر البلاغ أن التنمية لا يمكن أن تتحول إلى أداة للحسابات الضيقة أو الترتيبات الانتخابية، لأن المشاريع الممولة من المال العام وُجدت لخدمة المواطنين، لا لخدمة النفوذ أو المصالح الخاصة. كما أكد أن أي تقليص أو تغيير يمس جوهر المشروع يمثل مساساً بحقوق الساكنة التي انتظرت سنوات طويلة للتخلص من العزلة التي تخنق المنطقة.

وتزداد خطورة القضية حين نستحضر أن الهدف الأساسي للمشروع، كما ورد في الاتفاقيات والوثائق المرتبطة به، يتمثل في فك العزلة وتحسين ظروف عيش الساكنة القروية. لذلك فإن أي تقليص للمسافة المبرمجة لا يعني فقط حذف أمتار من الطريق، بل يعني عملياً استبعاد عدد من الأسر والدواوير من الاستفادة من المشروع، والإبقاء على جزء من المنطقة تحت رحمة المسالك الوعرة وصعوبات التنقل.

وهنا تتحول القضية من مجرد ملف أشغال عمومية إلى قضية عدالة مجالية وإنصاف اجتماعي، لأن المتضرر الأول والأخير هو المواطن البسيط الذي كان ينتظر أن تصل التنمية إلى بابه، فإذا به يجد نفسه أمام مشروع يثير من الأسئلة أكثر مما يقدم من الأجوبة.

وأمام تضارب الروايات بين ما هو مدرج في الوثائق وما يُقال إنه تحقق فعلياً على أرض الواقع، لم يعد ممكناً الاكتفاء بالتصريحات والبلاغات المتبادلة. فالرأي العام المحلي ينتظر جواباً واضحاً عن سؤال بسيط، لكنه ثقيل الدلالة: إذا كان المشروع ممولاً بأكثر من 214 مليون سنتيم ، من طرف وزارة الفلاحة ، وتشرف عليه المديرية الإقليمية للفلاحة بالدريوش ، من أجل إنجاز طريق بطول كيلومترين، فلماذا تتحدث الساكنة والجمعية عن طريق لم يتجاوز طولها 540 متراً؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لم تعد ترفاً سياسياً ولا مجرد مطلب جمعوي، بل أصبحت ضرورة لكشف ما إذا كانت الطريق قد خضعت فعلاً لـ”ريجيم قاسٍ” أفقدها أكثر من ثلثي طولها قبل أن تصل إلى وجهتها. فالمواطن البسيط قد يتفهم تعثر الأشغال أو تأخرها، لكنه يجد صعوبة في استيعاب كيف يمكن لطريق مبرمجة بطول كيلومترين وممولة بأكثر من مليوني درهم أن تنتهي فجأة عند 540 متراً، وكأن ما تبقى منها قد تبخر في الهواء.

فالتنمية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأصفار في الميزانيات ولا بحجم الوعود في دورات المجالس ودفاتر التحملات وطلبات العروض، بل بما يراه الناس بأعينهم على الأرض. أما حين تختفي الكيلومترات وتظل الملايين حاضرة في الوثائق، فإن من حق الساكنة أن تتساءل: هل الطريق هي التي تقلصت، أم أن مفهوم التنمية نفسه أصبح يُقاس بالمتر بدل الكيلومتر؟!

23/05/2026

مقالات خاصة

Related Posts