في مشهد يكاد يلخص واقع ما يسمى بـ”الجمهورية الصحراوية” داخل مخيمات تندوف، احتفت صحيفة إسبانية بما وصفته بـ”وردة في الصحراء”، في إشارة إلى مختبر صغير لإنتاج الأدوية تديره جبهة البوليساريو بضواحي تيندوف . لكن خلف هذا العنوان الرومانسي، تكشف تفاصيل التقرير واقعاً أقل شاعرية وأكثر إحراجاً لقيادة الجبهة التي ما زالت، بعد نحو خمسين سنة من وجود المخيمات، تتباهى بمختبر لا يغطي سوى 5 في المائة من حاجيات السكان الدوائية.
ففي “جمهورية الخيام”، حيث لا تتوقف الخطابات عن الحديث عن “الدولة” و”المؤسسات”، يعمل 11 شخصاً فقط على إنتاج بعض المراهم وقطرات العيون والمسكنات والمضادات الحيوية، بينما تبقى غالبية الأدوية رهينة المساعدات الأوروبية والمنظمات الدولية.
واللافت أن التقرير الإسباني نفسه يروي، من حيث لا يدري، قصة مشروع يعيش على الأوكسجين الخارجي منذ عقود. فالمختبر الذي يُقدَّم باعتباره إنجازاً استثنائياً لم يرَ النور إلا بفضل مبادرات وتمويلات أوروبية وإسبانية، وما زال إلى اليوم يعتمد على منح ومساهمات بلديات وهيئات أجنبية لتأمين استمراريته.
ويعترف مسؤولو المختبر بأنهم غير قادرين على تغطية سوى جزء ضئيل من الاحتياجات الصحية للمخيمات، فيما أصبح نقص الأدوية والمواد الأولية والأجهزة والتقنيين المتخصصين جزءاً من الواقع اليومي. بل إن المشرفين على المشروع أقروا بأن تأمين التمويل السنوي بات مهمة شاقة، في ظل التراجع التدريجي للدعم الخارجي خلال السنوات الأخيرة.
أما الصورة الأكثر تعبيراً عن واقع المخيمات فجاءت على لسان مسؤولي المختبر أنفسهم، الذين أكدوا أن الشباب المتعلم يواصل الهجرة نحو أوروبا بحثاً عن فرص أفضل، لأن المخيمات، بحسب وصفهم، لا توفر وظائف ولا آفاقاً حقيقية للمستقبل.
والأكثر إثارة أن العاملين داخل هذا المختبر، الذين يُفترض أنهم يمثلون النخبة التقنية والصحية في المخيمات، يتقاضون تعويضات هزيلة لا تتجاوز في المتوسط 100 يورو شهرياً، تُصرف مرة كل ثلاثة أشهر، ما يعني أن الموظف ينتظر تسعين يوماً كاملة للحصول على مبلغ بالكاد يكفي لتغطية أبسط متطلبات العيش. وهو معطى يعكس حجم الأزمة الاقتصادية التي تعيشها المخيمات رغم عقود من الشعارات والوعود.
وفي مفارقة تكاد تكون ساخرة، يتحدث القائمون على المختبر عن صعوبات الحفاظ على شروط الإنتاج بسبب تسرب الرمال بشكل مستمر إلى مرافق التصنيع والتخزين، حتى إن مدير المؤسسة وصف المعركة اليومية مع الغبار والرمال بأنها “صراع متواصل”. فبينما تتحدث قيادة البوليساريو عن بناء مؤسسات دولة كاملة الأركان، لا تزال الرمال تفرض سيادتها على أحد أهم المرافق الصحية في المخيمات.
ومن المفارقات الأخرى التي أوردها التقرير أن سكان المخيمات أنفسهم كانوا في البداية يتخلصون من الأدوية المنتجة محلياً فور مغادرة المراكز الصحية، لعدم اقتناعهم بإمكانية تصنيع أدوية في قلب الصحراء. وبعد عقود من العمل، أصبح من أبرز ما يفتخر به القائمون على المختبر نجاحهم في كسب ثقة المرضى وإقناعهم باستخدام تلك المنتجات.
وبينما يصف المشرفون على المشروع مختبرهم بأنه “وردة في الصحراء”، قد يرى كثيرون أن القصة برمتها ليست سوى اعتراف غير مباشر بحقيقة أخرى: فإذا كان أبرز إنجاز صحي في مخيمات تندوف بعد نصف قرن من الشعارات هو مختبر صغير يشتغل بأحد عشر موظفاً ويغطي 5 في المائة فقط من الاحتياجات الدوائية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين ذهبت كل الوعود التي رُفعت باسم “الدولة” طوال هذه العقود؟
وفي المقابل، يواصل المغرب تعزيز بنياته الصحية والتنموية بالأقاليم الجنوبية من خلال مشاريع استشفائية كبرى ومراكز طبية حديثة واستثمارات متواصلة في البنية التحتية والخدمات الأساسية، بينما لا تزال قيادة البوليساريو تحتفي في تندوف بإنجاز يتمثل في إنتاج بعض المراهم وقطرات العيون تحت رحمة المانحين الأجانب وتقلبات التمويل الدولي. فشتان بين مشروع يراهن على التنمية والاستثمار، ومشروع ما زال يعتبر استمرار مختبر صغير وسط الرمال إنجازاً استراتيجياً يستحق الاحتفاء.
23/05/2026