في تطور جديد يعكس حساسية ملف الملاحة الجوية بمطار مليلية ، عاد إلى الواجهة موضوع نظام الهبوط البديل ILS، بعد تداول معطيات تفيد برفض المغرب لأي صيغة تقنية مرتبطة به في محيطه الإقليمي. هذا الموقف أعاد خلط الأوراق داخل النقاش الإسباني حول تحديث أنظمة الاقتراب الجوي، خصوصاً في ظل تزايد الإلغاءات المرتبطة بسوء الأحوال الجوية.
وبينما تُطرح هذه البدائل كحلول تقنية لتقليص الاضطرابات وتحسين انتظام الرحلات، يظهر أن أي مسار لتطبيقها يظل مشروطاً بتوازنات جغرافية وسياسية دقيقة، تجعل الملف أبعد من كونه مجرد خيار هندسي أو تقني، وأكثر ارتباطاً بسياق إقليمي معقد يفرض حدوده على كل المقترحات المطروحة.
في كل مرة تتعثر فيها الخطط المحلية في مليلية ، يعود المشهد السياسي نفسه وكأنه نسخة مكررة بلا أي تحديث: خطاب مرتفع النبرة موجّه نحو الرباط، محاولات استعراض سياسي لا تغيّر من الواقع شيئاً، ثم صمت ثقيل حين تصطدم تلك التصريحات بجدار الوقائع الإقليمية التي لا تُدار بالشعارات ولا تُعاد صياغتها بالتصعيد اللفظي.
حاكم المدينة المحتلة ، وفي ذروة الأزمات المتكررة، يبدو وكأنه يجد في مهاجمة المغرب مخرجاً سريعاً لتخفيف ضغط الملفات الداخلية، سواء تعلق الأمر بالملاحة الجوية، أو إشكالات البنية التحتية، أو تعثر المشاريع التقنية. غير أن هذا النهج، الذي يُعاد تدويره عند كل أزمة، لم يعد يقنع حتى داخل الدوائر المعنية نفسها، لأن النتيجة تظل ثابتة: نفس الأعطال، نفس الاختلالات، ونفس الأعذار التي تتكرر بصيغ مختلفة.
وفي هذا السياق، أفادت مصادر أن رئيس حكومة الاحتلال خوان خوسيه إمبروذا يعتزم توجيه رسالة إلى رئيس شركة ENAIRE، الجهة المسؤولة عن إدارة الملاحة الجوية، بهدف الدفع نحو دراسة إمكانية اعتماد نظام جديد للمقاربة الجوية.
ويأتي هذا التحرك بعد ما اعتُبر “رداً مخيباً” من شركة AENA، حيث سيتوجه إمبروذا أيضاً إلى المسؤول الاشتراكي دافيد لوكاس بارّون، في محاولة للحد من العدد المرتفع لإلغاء الرحلات بسبب الأحوال الجوية، والذي يتجاوز في بعض الفترات نصف الرحلات المبرمجة.
وتندرج هذه الخطوة ضمن مسار سابق، إذ كانت شركة Air Nostrum قد طلبت قبل أشهر من ENAIRE دراسة بدائل لنظام الهبوط المعروف بـILS، وهو النظام الذي يُشار إليه غالباً بأنه يعتمد على إشارات راديوية دقيقة تسمح للطائرات بالاقتراب والهبوط بأمان في ظروف الرؤية الضعيفة، وقد سبق أن طُرحت حوله تحفظات تقنية وسياسية جعلت ملفه معقداً ومفتوحاً إلى اليوم.
وفي قضية نظام الهبوط ILS على وجه الخصوص، يتكرر السيناريو ذاته: مقترحات تُطرح، ووعود بالدراسة، ومراسلات متبادلة مع الجهات التقنية، ثم في نهاية المطاف يظهر ما لا يمكن تجاهله: أن أي حل فعلي لا يمكن فصله عن المعطيات الإقليمية المعقدة، وفي مقدمتها التوازنات التي يفرضها المغرب بوصفه طرفاً محورياً في أي ترتيبات جوية أو تقنية تخص المنطقة.
والمفارقة أن الخطاب السياسي المحلي في مليلية غالباً ما يحاول اختزال الأزمة في بعدها التقني البحت، بينما الواقع يثبت العكس تماماً: فكل ملف، مهما بدا تقنياً، ينتهي عند حدود تفرض فيها الجغرافيا والسياسة منطقها الخاص، بعيداً عن التبسيط أو التسويق الإعلامي.
ومع كل موجة تصعيد لفظي موجهة نحو الرباط، يتضح لاحقاً أن هذا الخطاب لا يغيّر من مسار الحلول شيئاً، بل يعيد الإدارة المحلية سريعاً إلى لغة أكثر هدوءاً، وبحث متجدد عن قنوات أكثر واقعية وأقل ضجيجاً.
وهكذا، بين خطابٍ يتشدد في العلن، وواقعٍ يفرض منطقه في الخفاء، يتضح أن ما يُسمى بـ“القبضة” لا تُقاس بحدة التصريحات، بل بقدرة الوقائع على فرض نفسها على الجميع، دون استثناء.
25/05/2026