اتهامات صادمة تمتد لسنوات.. وتعويضات تفوق 1.2 مليون يورو وأسقفية مالقة مهددة بتحمل المسؤولية المالية
في واحدة من أخطر القضايا التي هزت الأوساط الدينية والقضائية في إسبانيا والثغر المحتل خلال السنوات الأخيرة، طالبت النيابة العامة بمحكمة مالقة بالحكم على كاهن كاثوليكي بالسجن لمدة تصل إلى 72 سنة، بعدما وُجهت إليه اتهامات خطيرة بتخدير أربع نساء واغتصابهن أثناء فقدانهن الوعي، ثم توثيق الاعتداءات عبر صور ومقاطع فيديو احتفظ بها لسنوات. وانطلقت جلسات المحاكمة مطلع الأسبوع الجاري، حيث يمثل الكاهن فرانسيسكو سي. في. أمام القضاء لمواجهة سلسلة من التهم الجنائية المرتبطة بوقائع يُشتبه في وقوعها بين سنتي 2016 و2019.
وبحسب وثائق الاتهام، فإن المتهم كان يعتمد أسلوباً متكرراً مع ضحاياه، مستغلاً مكانته الدينية وعلاقات الثقة التي بناها مع النساء بصفته راعياً لكنائس بلدتي أرداليس وكاراتراكا، ونائباً لكاهن رعية “نوسترا سينيورا دي لا إنكارناسيون” بمدينة ألوارا. وتفيد معطيات النيابة بأنه كان يستدرج النساء إلى أماكن يعتبرنها آمنة، قبل أن يقدم لهن مواد كيميائية مخدرة، ليُقدم بعد ذلك على الاعتداء عليهن جنسياً وهن في حالة فقدان كامل للوعي.
غير أن ما زاد من صدمة القضية، وفقاً للتحقيقات، هو قيام المتهم بتصوير الاعتداءات والاحتفاظ بها داخل وسائط تخزين إلكترونية، ما حوّل الملف من قضية اعتداءات جنسية إلى فضيحة مدوية هزت المؤسسة الكنسية الإسبانية. وتؤكد النيابة أن التسجيلات المصورة شكلت أحد أبرز الأدلة التي استند إليها التحقيق في هذا الملف الذي أثار اهتماماً واسعاً داخل إسبانيا.
وطالبت النيابة العامة بالحكم على المتهم بـ12 سنة سجناً عن كل واحدة من جرائم الاغتصاب الأربع المنسوبة إليه، إضافة إلى ثلاث سنوات عن كل جريمة تتعلق بإلحاق أضرار جسدية عبر التخدير، وثلاث سنوات أخرى عن كل جريمة مرتبطة بانتهاك الخصوصية وتسجيل الوقائع دون موافقة الضحايا. كما شددت على توفر ظروف التشديد المرتبطة باستغلال الثقة والمباغتة، بالنظر إلى وضعية الضحايا وعدم قدرتهن على المقاومة أو الدفاع عن أنفسهن أثناء الوقائع المفترضة.
ولم تتوقف المطالب عند العقوبات السجنية، إذ التمست النيابة إلزام المتهم بأداء 1.2 مليون يورو كتعويضات مدنية لفائدة الضحايا الأربع، بواقع 300 ألف يورو لكل واحدة منهن، لجبر الأضرار النفسية والمعنوية التي خلفتها هذه الوقائع. وفي تطور قد يفاقم حرج المؤسسة الكنسية، اعتبرت النيابة أن أسقفية مالقة تتحمل مسؤولية مدنية تبعية، ما قد يفتح الباب أمام إلزامها بأداء التعويضات في حال عجز الكاهن عن الوفاء بها.
وتعود بداية انكشاف القضية إلى الفترة الممتدة بين أواخر سنة 2022 وبداية سنة 2023، عندما عثرت امرأة كانت تربطها علاقة عاطفية بالكاهن، وكانت تقيم معه في مليلية المحتلة، على قرص صلب خارجي داخل المسكن التابع للرعية. وأدلت الشاهدة أمام المحكمة بأنها فتحت القرص معتقدة أنه يحتوي على أفلام أو برامج تلفزيونية، غير أنها صُدمت بوجود صور ومقاطع فيديو ذات طابع جنسي تخص نساء أخريات.
وأكدت، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسبانية، أن المشاهد أظهرت نساء في حالة فقدان وعي بينما يتعرضن لاعتداءات جنسية، مضيفة أن تلك الصور ما تزال تلاحقها حتى اليوم وتتسبب لها في كوابيس متكررة. كما أوضحت أنها تعرفت على هوية الكاهن داخل التسجيلات من خلال علامات جسدية مميزة، قبل أن تقوم بنسخ الملفات ومواجهته بما اكتشفته.
وأفادت الشاهدة بأنها حاولت إبلاغ المسؤولين الدينيين في مليلية المحتلة وأسقفية مالقة بما عثرت عليه، سواء عبر لقاءات مباشرة أو من خلال مراسلات إلكترونية. غير أن النيابة العامة تؤكد أن الأسقفية لم تتعاون مع أجهزة الأمن بالشكل المطلوب، ولم تتخذ إجراءات حاسمة سوى نقل الكاهن إلى رعايا أخرى في بلدتي إل بورغو ويونكيرا.
وخلال شهادتها أمام المحكمة، أكدت المرأة أنها شعرت بأنها “متروكة لمصيرها”، معتبرة أن أبواب الكنيسة أُغلقت في وجهها، ما دفعها في نهاية المطاف إلى اللجوء إلى الشرطة الوطنية الإسبانية. وفي 24 غشت 2023، تقدمت بشكوى رسمية وسلمت المحققين نسخة من الملفات التي عثرت عليها داخل القرص الصلب، لتبدأ بعدها واحدة من أكثر القضايا حساسية وإحراجاً للكنيسة الكاثوليكية في إسبانيا.
ويبقى الحسم النهائي بيد القضاء الإسباني في ملف يتابعه الرأي العام باهتمام بالغ، بالنظر إلى خطورة الاتهامات وحجم التداعيات المحتملة على صورة المؤسسة الدينية في حال ثبوت الوقائع المنسوبة إلى المتهم، خاصة في ظل الجدل المتزايد حول كيفية تعامل الجهات الكنسية مع الشكاوى الأولى قبل وصول القضية إلى القضاء.
26/05/2026