في مشاهد صادمة هزّت الرأي العام الدولي، شهدت جزر فارو، الواقعة في شمال المحيط الأطلسي بين آيسلندا والنرويج والمملكة المتحدة، والتي تتمتع بحكم ذاتي واسع ضمن مملكة الدنمارك منذ عام 1948، واحدة من أكثر عمليات الصيد الجماعي إثارة للجدل، بعدما لقي أكثر من 700 دلفين مصرعهم خلال يوم واحد فقط، في ثلاث عمليات متفرقة، ما أثار موجة استنكار حقوقي وبيئي واسعة.
وأظهرت صور ومقاطع فيديو متداولة شواطئ مكتظة بالناس، بينهم أطفال، تحولت إلى مسرح لعملية صيد جماعي قاسية، حيث جرى سوق مجموعات من الدلافين بعنف نحو الشاطئ قبل ذبحها، لتتحول مياه البحر إلى اللون الأحمر في مشاهد وُصفت بأنها “مروّعة” و”صادمة للضمير الإنساني”.
ووفق ما نقلته مصادر إعلامية، فقد ندّدت منظمة “سي شيبرد” المدافعة عن الحياة البحرية باستمرار هذه الممارسات التقليدية المعروفة محليًا باسم “غريندرادراب”، والتي تقوم على محاصرة مجموعات من الدلافين والحيتان الصغيرة ودفعها إلى خلجان ضحلة، حيث يتم قتلها بشكل جماعي.
وأكدت المنظمة أن عمليات الصيد الثلاث التي نُفذت في يوم واحد فقط أسفرت عن نفوق أكثر من 700 دلفين، معتبرة أن تبرير هذه الممارسات باسم “التقاليد الثقافية” لم يعد مقبولًا في ظل تصاعد الوعي العالمي بأهمية حماية الحياة البحرية وصون التوازن البيئي.
وتُعد جزر فارو، التابعة إداريًا لمملكة الدنمارك، من أكثر المناطق إثارة للجدل في شمال أوروبا، بسبب استمرار هذا التقليد الذي يعود لقرون، والذي يُمارس بشكل دوري رغم الانتقادات الحادة الصادرة عن منظمات الرفق بالحيوان والهيئات البيئية الدولية.
وفي المقابل، يدافع مؤيدو هذا الصيد الجماعي عنه باعتباره جزءًا من التراث المحلي ومصدرًا تقليديًا للغذاء في الجزر، بينما يرى معارضوه أنه ممارسة قاسية تتعارض مع القيم الحديثة لحماية الحيوانات، خصوصًا أن الدلافين تُعد من الكائنات البحرية ذات السلوك الاجتماعي المعقّد والقدرات الإدراكية المتقدمة.
وتُعيد هذه الحادثة فتح نقاش عالمي متجدد حول حدود التقاليد الثقافية عندما تصطدم مع مبادئ الرفق بالحيوان ومتطلبات حماية التنوع البيولوجي، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لإعادة النظر في مثل هذه الممارسات.
وهكذا، في مشهد تتداخل فيه قسوة الواقع مع صمت البحر، تُطوى صفحة جديدة من صور الألم التي لا تُنسى. مئات الدلافين التي كانت تجوب أعماق المحيط في انسجام وذكاء اجتماعي مدهش، انتهى بها المطاف على شواطئ دامية، تحت وقع تقليد يثير جدلاً لا ينتهي بين من يراه تراثًا، ومن يراه جرحًا مفتوحًا في ضمير الإنسانية.
وفي الوقت الذي يواصل فيه العالم الحديث رفع شعارات حماية الحياة والبيئة والرحمة بالكائنات البحرية، تبقى تلك المشاهد سؤالًا ثقيلًا معلقًا في الهواء: إلى متى ستظل بعض التقاليد أقوى من صوت الرحمة؟
بين هدير الأمواج وصمت الجثث الملقاة على الرمل، تغيب الإجابة… ويبقى الألم حاضرًا، شاهدًا على مأساة تتكرر كل مرة باسم “العادة” و”الموروث”.
30/05/2026