kawalisrif@hotmail.com

أوروبا تغلق أبوابها أكثر من أي وقت مضى … مراكز ترحيل خارج الحدود واحتجاز المهاجرين لعامين يشعلان جدلاً واسعاً حول سياسة الطرد الجديدة

أوروبا تغلق أبوابها أكثر من أي وقت مضى … مراكز ترحيل خارج الحدود واحتجاز المهاجرين لعامين يشعلان جدلاً واسعاً حول سياسة الطرد الجديدة

في تحول جديد يعكس تشدد بروكسيل المتزايد في التعاطي مع ملف الهجرة، توصلت مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق سياسي وُصف بالتاريخي يقضي بتسريع عمليات ترحيل المهاجرين غير النظاميين والسماح بإنشاء مراكز احتجاز وترحيل خارج الأراضي الأوروبية. ويمنح هذا الاتفاق الدول الأعضاء أدوات جديدة للحد من تدفقات الهجرة غير الشرعية، في ظل تصاعد الضغوط السياسية المطالبة بإجراءات أكثر صرامة.

ويمثل الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه بين المفوضية الأوروبية والبرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي، المرحلة الأخيرة من إصلاح شامل لسياسة الهجرة واللجوء داخل التكتل الأوروبي. ويأتي ذلك في سياق تنامي نفوذ الأحزاب اليمينية والمحافظة التي تدعو إلى تشديد الرقابة على الحدود وتسريع عمليات الإبعاد والترحيل.

وترتكز اللائحة الجديدة الخاصة بالعودة والترحيل على محورين أساسيين؛ الأول يتمثل في تسريع تنفيذ قرارات الإبعاد، والثاني منح الدول الأعضاء إمكانية إنشاء مراكز احتجاز للمهاجرين في دول ثالثة خارج الاتحاد الأوروبي. ويستند هذا التوجه إلى النموذج الذي اعتمدته الحكومة الإيطالية بقيادة جورجيا ميلوني في اتفاقها مع ألبانيا لاستقبال مهاجرين غير نظاميين خارج الأراضي الإيطالية إلى حين البت في ملفاتهم أو إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.

ويرى مؤيدو هذه السياسة أن المراكز الخارجية ستخفف الضغط عن أنظمة اللجوء الأوروبية وتسرّع إجراءات إعادة المهاجرين الذين لا يملكون حق البقاء داخل الاتحاد. كما يعتبرونها وسيلة أكثر فعالية لإدارة تدفقات الهجرة غير النظامية والحد من التحديات الأمنية والإدارية المرتبطة بها.

ومن أبرز مقتضيات اللائحة الجديدة السماح باحتجاز الأشخاص الصادرة بحقهم قرارات ترحيل لمدة قد تصل إلى سنتين كاملتين إذا وُجد خطر فرارهم أو رفضهم التعاون مع السلطات المختصة. كما يمكن تطبيق هذه الإجراءات على القاصرين غير المرفوقين بذويهم في حالات استثنائية جداً وداخل أراضي الاتحاد الأوروبي فقط، مع التشديد على أن هذا الإجراء لا يُلجأ إليه إلا كخيار أخير.

وفي المقابل، نصت القواعد الجديدة على منع نقل القاصرين غير المرفوقين إلى مراكز الترحيل الموجودة خارج الاتحاد الأوروبي تحت أي ظرف، مراعاة لوضعهم الهش وضرورة توفير حماية خاصة لهم. ويُعد هذا الاستثناء أحد أبرز الضمانات التي أُدرجت ضمن النص الجديد لتفادي الانتقادات المرتبطة بحقوق الطفل.

ولجعل هذه السياسة قابلة للتطبيق، اضطرت المؤسسات الأوروبية إلى إعداد إطار قانوني جديد، بعدما كانت التشريعات السابقة تعتبر إنشاء مراكز احتجاز خارج حدود الاتحاد غير متوافق مع القانون الأوروبي. ويهدف هذا التعديل إلى إبقاء الأشخاص الذين رُفضت طلبات لجوئهم خارج الفضاء الأوروبي خلال المراحل الأخيرة من إجراءات إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية.

غير أن هذه الخطوة أثارت انتقادات حادة من منظمات حقوق الإنسان والجمعيات المدافعة عن المهاجرين، التي حذرت من مخاطر المساس بالضمانات القانونية والحقوق الأساسية للأشخاص المحتجزين في مراكز تقع خارج الرقابة القضائية الأوروبية المباشرة، معتبرة أن ذلك قد يفتح الباب أمام تجاوزات يصعب مراقبتها أو الطعن فيها.

ووفق الصيغة المتفق عليها، ستدخل معظم بنود اللائحة حيز التنفيذ بعد مرور اثني عشر شهراً على المصادقة النهائية عليها. غير أن بعض الإجراءات ستصبح نافذة فور نشر النص القانوني في الجريدة الرسمية للاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها السماح بإنشاء مراكز الترحيل الخارجية وتعزيز صلاحيات ودعم وكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية المعروفة باسم «فرونتكس».

ورغم أن الاتحاد الأوروبي وضع الإطار القانوني العام لهذه السياسة، فإن قرار إنشاء المراكز واختيار الدول المستضيفة لها سيبقى من اختصاص الحكومات الوطنية. وقد لقي الاتفاق ترحيباً واسعاً من الأحزاب المحافظة واليمينية التي اعتبرته خطوة ضرورية لاستعادة السيطرة على ملف الهجرة وتعزيز أمن الحدود الأوروبية.

وأكد رئيس لجنة الحريات المدنية في البرلمان الأوروبي، خافيير ثارثاليخوس، أن الهدف يتمثل في بناء سياسة هجرة «منظمة وقانونية ومرتبطة باحتياجات سوق العمل»، مشدداً على أن اللائحة ستكون ملزمة لجميع الدول الأعضاء، بما فيها إسبانيا، لأنها تأتي في شكل تشريع أوروبي نافذ مباشرة وليس مجرد توجيه قابل للتأويل أو التعديل.

في المقابل، هاجمت الكتل الاشتراكية والديمقراطية الاتفاق بشدة، معتبرة أنه فُرض بأغلبية يمينية ومحافظة، وأنه يفتح الباب أمام مراكز ترحيل «مشكوكة قانونياً»، فضلاً عن تشجيع حملات توقيف وترحيل واسعة النطاق شبيهة بتلك التي تنفذها سلطات الهجرة في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولا يزال الاتفاق بحاجة إلى المصادقة النهائية من قبل الدول السبع والعشرين والبرلمان الأوروبي قبل دخوله حيز التنفيذ بشكل كامل. وكانت المفوضية الأوروبية قد قدمت المشروع في مارس 2025 ضمن حزمة إصلاحات ترمي إلى توحيد قواعد إعادة مواطني الدول الثالثة الموجودين بصورة غير قانونية داخل الاتحاد الأوروبي واستكمال ميثاق الهجرة واللجوء الأوروبي الجديد.

وتشير أحدث المعطيات الأوروبية إلى أن 64 في المائة من عمليات العودة التي جرى تنفيذها بدعم من وكالة حرس الحدود والسواحل الأوروبية تمت بشكل طوعي. ومع ذلك، تسعى بروكسيل من خلال القواعد الجديدة إلى رفع معدلات الترحيل الإجباري وتسريع تنفيذ القرارات الصادرة بحق المهاجرين غير النظاميين.

وبينما تصف المؤسسات الأوروبية الاتفاق بأنه خطوة تاريخية تعزز مصداقية سياسة الهجرة داخل القارة، ترى المنظمات الحقوقية أن أوروبا تتجه نحو مرحلة غير مسبوقة من التشدد في التعامل مع المهاجرين، في تحول قد يعيد رسم ملامح إدارة الهجرة واللجوء داخل الاتحاد الأوروبي خلال السنوات المقبلة.

02/06/2026

مقالات خاصة

Related Posts