في تطور يثير مخاوف جديدة بشأن سلامة المنتجات الغذائية المتداولة في الأسواق الإسبانية، أعلنت السلطات الصحية الإسبانية حالة استنفار بعد اكتشاف تلوث عدة أنواع من الجبن الطازج المصنوع من حليب البقر ببكتيريا “الليستيريا المستوحدة” (Listeria monocytogenes)، وهي من أخطر البكتيريا الغذائية القادرة على التسبب في أمراض خطيرة قد تصل مضاعفاتها إلى مستويات مهددة للحياة.
الوكالة الإسبانية لسلامة الغذاء والتغذية، التابعة لوزارة الحقوق الاجتماعية والاستهلاك، كشفت أن التلوث طال منتجات تحمل العلامة التجارية “De Mi Tierra”، وذلك بعد تلقيها إشعاراً عاجلاً من السلطات الصحية في إقليم غاليسيا عبر نظام الإنذار السريع لتبادل المعلومات الغذائية.
ووفق المعطيات الرسمية، فإن المنتجات المعنية بالتحذير تشمل جبن “Queso Costeño” من الدفعة رقم 009-0526، وجبن “Queso Amarillo” من الدفعة 027-0326، إضافة إلى “Queso Fresco Duro” من الدفعة 070-0326، و”Queso Fresco Semiduro” من الدفعة 041-0426، وهي منتجات كانت تُباع بشكل عادي في الأسواق قبل أن تكشف التحاليل المخبرية وجود البكتيريا داخلها.
وأقرت السلطات الإسبانية بأن هذه المنتجات وُزعت في مرحلة أولى داخل أقاليم غاليسيا وأراغون ومدريد والأندلس، غير أنها لم تستبعد احتمال انتقالها إلى مناطق أخرى عبر شبكات التوزيع التجارية، الأمر الذي دفعها إلى إصدار أوامر عاجلة لسحبها من الأسواق والمتاجر.
وتُعرف بكتيريا الليستيريا بقدرتها على التسبب في مرض “الليستيريوز”، الذي تبدأ أعراضه عادة بالحمى والإسهال والتقيؤ وآلام العضلات، لكنه قد يتحول إلى تهديد حقيقي بالنسبة للنساء الحوامل وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة، حيث يمكن أن يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة تستوجب تدخلاً طبياً عاجلاً.
ودعت الوكالة الإسبانية جميع المستهلكين الذين اقتنوا هذه المنتجات إلى التوقف فوراً عن استهلاكها والتخلص منها، كما أوصت كل شخص تناولها وظهرت عليه أعراض مقلقة بالتوجه مباشرة إلى المراكز الصحية لإجراء الفحوصات اللازمة.
ويكتسي هذا الإنذار الصحي أهمية خاصة بالنسبة للجالية المغربية المقيمة في إسبانيا، وكذلك بالنسبة للمغاربة القاطنين في الثغرين المحتلين سبتة ومليلية، حيث تنتشر هذه المنتجات في عدد من المتاجر والأسواق التي يرتادها المغاربة بشكل يومي.
كما يتعين على المستهلكين المغاربة الذين اعتادوا اقتناء المنتجات الغذائية الإسبانية، خاصة الأجبان الطازجة، توخي أقصى درجات الحذر والتأكد من مصدر المنتجات التي بحوزتهم، مع تفادي استهلاك أي منتج يحمل العلامة التجارية المذكورة إذا كان من بين الدفعات المشمولة بالتحذير.
ورغم أن السلطات الإسبانية لم تتحدث عن وصول هذه الدفعات الملوثة إلى المغرب، فإن الواقعة تكفي لإطلاق جرس الإنذار لدى المستوردين والموزعين المغاربة. فحين يتعلق الأمر بمنتجات غذائية قادمة من الخارج، لا يكفي الاطمئنان إلى الملصقات البراقة أو شهادات الجودة المعلقة على الجدران، بل يصبح التحقق من مسار المنتج ومصدره ضرورة لا تقبل أي تهاون.
وتكشف هذه الحادثة جانباً مقلقاً من واقع سلاسل التوزيع الحديثة، حيث تتمكن منتجات ملوثة ببكتيريا قاتلة من قطع مئات الكيلومترات والوصول إلى رفوف المتاجر قبل أن تلتقطها أجهزة المراقبة. وكأن المستهلك يُطلب منه، من حيث لا يدري، أن يؤدي دور المختبر الأول، فيستهلك المنتج قبل أن تصل إليه التحذيرات الرسمية.
وبينما تسابق السلطات الإسبانية الزمن لسحب الأجبان الملوثة واحتواء تداعيات الأزمة، يبقى السؤال الأكثر إزعاجاً معلقاً: كم من هذه المنتجات وصل بالفعل إلى موائد المستهلكين قبل انطلاق صافرة الإنذار؟ وكم شخصاً تناولها وهو يعتقد أنه يشتري غذاءً آمناً، بينما كان يحمل معه إلى منزله ضيفاً خفياً اسمه “الليستيريا”؟
إنها قصة تتكرر كل مرة تقريباً بالسيناريو نفسه: المنتج يُسوَّق أولاً، أما التحذير فيأتي لاحقاً… بعد أن يكون الخطر قد أستهلك .
02/06/2026