kawalisrif@hotmail.com

فرنسا تحيل 50 ألف مغربي على العطالة وقطاع بأكمله يترنح بين القانون والذكاء الاصطناعي

فرنسا تحيل 50 ألف مغربي على العطالة وقطاع بأكمله يترنح بين القانون والذكاء الاصطناعي

في تطور وُصف بالزلزال داخل قطاع مراكز النداء، وجد عشرات الآلاف من العاملين المغاربة أنفسهم أمام مستقبل غامض، بعد القرار الفرنسي القاضي بحظر جميع أشكال التسويق الهاتفي غير المرغوب فيه ابتداءً من غشت 2026، وهو قرار يُنذر بإعادة تشكيل كامل لهذا القطاع الحيوي.

القرار الذي جاء تتويجًا لضغط طويل من المستهلكين الفرنسيين، ينص على منع أي مكالمة تجارية دون موافقة مسبقة وصريحة وموثقة من المستهلك، باستثناء الحالات المرتبطة بعقود قائمة. وبذلك، يتحول المنطق القانوني بالكامل: لم يعد المواطن هو من يحمي نفسه من الإزعاج، بل أصبحت الشركات مطالبة بإثبات شرعية اتصالها قبل رفع الهاتف.

وبموجب هذا التغيير، سيتم إلغاء نظام “Bloctel” الذي كان يتيح للمواطنين التسجيل لرفض المكالمات الإعلانية، في خطوة تعكس انتقال فرنسا نحو سياسة “الحماية الصارمة” للمستهلك.

لكن خلف هذا الانتصار التنظيمي في باريس، تتكشف أزمة اجتماعية واقتصادية حادة في الضفة الجنوبية للمتوسط، وتحديدًا في المغرب، حيث تشير التقديرات إلى أن ما بين 40 ألفًا و50 ألف منصب شغل مهدد بالاختفاء، خصوصًا في مراكز الاتصال المنتشرة في الدار البيضاء والرباط ومراكش وطنجة ومدن أخرى.

هذه المراكز التي كانت تعتمد لسنوات على سوق فرنسي واسع، كانت تشتغل وفق نموذج بسيط: مكالمات يومية، قوائم أرقام، وأهداف بيع صارمة تحدد مردودية العاملين وأجورهم. غير أن هذا النموذج بدأ يتآكل تدريجيًا حتى قبل صدور القرار، بفعل تشديد القوانين وتراجع فعالية حملات التسويق.

ويؤكد فاعلون في القطاع أن الصدمة ليست مفاجئة بالكامل، لكنها تمثل مرحلة فاصلة في تاريخ هذه الصناعة. فحسب مسؤولين مهنيين، فإن التسويق الهاتفي لم يعد يشكل سوى جزء محدود من نشاط مراكز النداء، بعد أن تراجعت حصته إلى أقل من 15% من رقم المعاملات.

ومع ذلك، فإن البدائل المطروحة مثل الاعتماد على “الليدات” (Leads) ( أي العملاء الذين أبدوا اهتمامًا مسبقًا ) لا تزال غير كافية لتعويض الخسائر المحتملة، في ظل منافسة متزايدة وضغط تكنولوجي متسارع.

الأخطر من ذلك، أن الذكاء الاصطناعي بدأ يزاحم الإنسان داخل هذا القطاع، عبر أنظمة قادرة على إدارة المكالمات، تصفية الزبائن المحتملين، وحتى تنفيذ عمليات بيع بسيطة بشكل آلي، ما يهدد بمزيد من تقليص فرص العمل في السنوات المقبلة.

في المقابل، يصف البعض هذا التحول بأنه نهاية مرحلة وبداية أخرى أكثر قسوة، حيث لن يكون البقاء فيه إلا للأكثر كفاءة والأكثر قدرة على التكيف مع اقتصاد رقمي لا يعترف بالوظائف التقليدية.

في لحظة صمت ثقيل داخل مراكز النداء، قد لا يُسمع سوى رنين الهواتف التي كانت يومًا مصدر رزق لآلاف الأسر. اليوم، تلك الهواتف نفسها تبدو وكأنها تُعلن انتهاء مرحلة كاملة… مرحلة تُطوى فيها صفحة “العمل السهل” لصالح واقع جديد لا مكان فيه إلا لمن ينجو من العاصفة.

02/06/2026

مقالات خاصة

Related Posts