في واقعة صادمة تكشف هشاشة حماية التراث العلمي بالمغرب، تعرض موقع أحفوري نادر بمنطقة مبلادن، الواقعة على بعد نحو 25 كيلومتراً شمال شرق ميدلت وسط جبال الأطلس المتوسط، لعملية نهب جديدة انتهت باختفاء لوح صخري فريد كان يحمل آثار أقدام وأيدي أحد أندر الكائنات التي جابت الأرض قبل ملايين السنين. وتُعد مبلادن من أشهر المناطق الجيولوجية والتعدينية بالمملكة، لما تزخر به من ثروات معدنية ومواقع أحفورية ذات قيمة علمية استثنائية.
الحديث هنا ليس عن حجر عادي أو قطعة صخرية مهملة، بل عن سجل طبيعي نادر يوثق مرور التيروصورات، وهي زواحف طائرة عاشت خلال عصر الديناصورات، في موقع يُعد من بين القلائل على مستوى القارة الإفريقية التي تحتفظ بمثل هذه الآثار الفريدة.
وبحسب باحثين أشرفوا على دراسة الموقع، فقد تعرض اللوح الصخري للقطع بواسطة معدات متخصصة قبل أن تتم سرقته خلال شهر ماي الماضي. والمثير أن هذه ليست المرة الأولى التي يستهدف فيها الموقع، إذ سبق أن تعرض جزء من اللوح نفسه للسرقة قبل سنة، في عملية بدت وكأنها تمهيد لعملية السطو النهائية.
الباحثون الذين عادوا إلى الموقع لمواصلة أعمالهم العلمية لم يجدوا سوى الفراغ. فالقطعة المتبقية اختفت بدورها، وكأن الموقع تُرك لمصيره في مواجهة عصابات تنقب عن الربح السريع على حساب ذاكرة الأرض وتاريخها.
ويؤكد المختصون أن أهمية الموقع تتجاوز الحدود المغربية، إذ يحتوي على آثار نادرة جداً للتيروصورات، وهي من أندر البقايا الأحفورية المكتشفة في إفريقيا. كما يُعد أول موقع بالمغرب جرى فيه توثيق مسار كامل يجمع بين آثار الأقدام والأيدي لهذا الكائن المنقرض، ما يمنحه قيمة علمية استثنائية يصعب تعويضها.
وتطرح هذه الجريمة أسئلة محرجة حول واقع حماية التراث الأحفوري والجيولوجي بالمغرب. فكيف يمكن لموقع معروف لدى الباحثين أن يتعرض للتخريب والسرقة مرتين متتاليتين دون أن تتحرك آليات الحماية؟ وكيف تتم عملية قطع لوح صخري ضخم وسرقة محتواه العلمي دون أن تثير أي انتباه؟
الأخطر من ذلك أن هذه الحوادث لا تمثل مجرد سرقات معزولة، بل تكشف عن وجود سوق سوداء تنشط في تهريب الأحافير والقطع الجيولوجية النادرة نحو هواة الجمع والتجار خارج البلاد، في وقت يواصل فيه الباحثون دق ناقوس الخطر بشأن النزيف المستمر الذي يستهدف الذاكرة الطبيعية للمملكة.
اليوم لم يخسر المغرب مجرد لوح صخري، بل فقد صفحة كاملة من كتاب التاريخ الطبيعي عمرها ملايين السنين. أما اللصوص فقد غادروا حاملين غنيمتهم، تاركين وراءهم سؤالاً ثقيلاً: من يحمي التراث العلمي للمغرب عندما يصبح عرضة للمناشير والنهب في وضح النهار؟
ولعل ما جرى في مبلادن لا يمكن اختزاله في سرقة قطعة صخرية أو اختفاء أثر أحفوري نادر، بل هو اقتلاع لصفحة كاملة من أرشيف الأرض نفسها. فهذه الآثار التي صمدت أمام الزلازل العاتية والتحولات الجيولوجية وانقراض الديناصورات على مدى عشرات الملايين من السنين، سقطت في النهاية أمام منشار بشري لا يعترف بقيمة العلم ولا بحرمة التاريخ.
وبينما يواصل الجيولوجيون وعلماء الأحافير البحث عن أسرار الماضي المدفونة في أعماق الصخور، تواصل أيادٍ أخرى محو تلك الأسرار إلى الأبد. وفي مبلادن، لم تُسرق مجرد آثار لكائن منقرض، بل سُرق شاهد جيولوجي نادر كان يروي فصلاً كاملاً من تاريخ الأرض، تاركاً وراءه فراغاً علمياً قد لا يتمكن العلم من تعويضه، بعدما ضاعت صفحة فريدة من ذاكرة كوكب كُتبت على الصخور قبل ملايين السنين.
08/06/2026