يشهد قطاع الاستيراد بالمغرب خلال الفترة الأخيرة وضعية صعبة وغير مسبوقة نتيجة التشدد المتزايد في مساطر المراقبة والترخيص المرتبطة بعمليات الاستيراد. وقد جاءت هذه الإجراءات في الأصل ضمن سياسة تروم تشجيع الإنتاج المحلي وتقليص العجز التجاري، وهي المقاربة التي تم اعتمادها خلال فترة تولي مولاي حفيظ العلمي حقيبة الصناعة والتجارة.
ورغم أن الهدف المعلن من هذه السياسة كان دعم الصناعة الوطنية وتعزيز تنافسية المنتوج المغربي، فإن الواقع الميداني أفرز تداعيات سلبية أثرت على آلاف المستوردين والمقاولات التي تعتمد على الاستيراد كمصدر أساسي لنشاطها الاقتصادي.
فاليوم، يجد المستورد المغربي نفسه في مواجهة مساطر إدارية معقدة وطويلة، بعدما أصبحت ملفات كانت تُعالج في السابق خلال أيام أو أسابيع قليلة تستغرق أشهراً عدة للحصول على توضيحات أو موافقات نهائية. والأكثر من ذلك أن العديد من مكاتب المراقبة والهيئات المكلفة بالتتبع لا تستجيب للمكالمات الهاتفية، فيما تبقى رسائل البريد الإلكتروني، في كثير من الأحيان، دون رد، الأمر الذي يضع المقاولات في حالة من الضبابية وعدم اليقين.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه المستوردون القرارات الإدارية، تستمر البضائع في التكدس داخل الموانئ والمخازن، لتتراكم عليهم مصاريف التخزين والغرامات ورسوم التأخير (Demurrage)، التي قد تصل إلى مبالغ باهظة تهدد التوازن المالي للمقاولات. وفي بعض الحالات، تتجاوز هذه التكاليف هامش الربح المتوقع من العملية التجارية برمتها.
وقد أدى هذا الوضع إلى إفلاس عدد من الشركات، فيما اضطر العديد من المستثمرين ورواد الأعمال إلى توقيف أنشطتهم بشكل نهائي. كما اختار بعضهم نقل استثماراته إلى بلدان أخرى توفر بيئة إدارية أكثر وضوحاً ومرونة، بينما يفكر آخرون جدياً في مغادرة المغرب بسبب تراجع الثقة في فعالية وسرعة المساطر الإدارية الحالية.
ولا يمكن إنكار أهمية مراقبة جودة المنتجات المستوردة وحماية المستهلك المغربي، غير أن هذه الأهداف المشروعة ينبغي ألا تتحول إلى عوائق بيروقراطية تعرقل النشاط الاقتصادي وتضر بالمقاولات الوطنية. فالمستثمر والمستورد بحاجة إلى قواعد واضحة وآجال محددة وشفافية في اتخاذ القرار، كما يحتاج إلى إدارة تتواصل معه وتحترم حقه في الحصول على المعلومة في الوقت المناسب.
إن الوضع الحالي يستدعي تدخلاً عاجلاً من وزارة الصناعة والتجارة من أجل إجراء تقييم شامل وموضوعي للمنظومة الحالية، والاستماع إلى شكاوى الفاعلين الاقتصاديين، ومراجعة أداء بعض مكاتب المراقبة التي أصبحت، بحسب العديد من المهنيين، تمارس صلاحيات واسعة دون وجود آليات فعالة للمحاسبة والتتبع.
كما تقتضي المرحلة إطلاق حوار جاد بين الإدارة والقطاع الخاص لإيجاد توازن حقيقي بين حماية الاقتصاد الوطني وتشجيع الاستثمار من جهة، وضمان انسيابية التجارة وتفادي إغراق المقاولات في دوامة الإجراءات والتأخيرات من جهة أخرى.
ويحتاج الاقتصاد المغربي إلى مستثمرين أقوياء ومقاولات قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل. وأي سياسة اقتصادية، مهما كانت أهدافها، ينبغي أن تُقاس بنتائجها على أرض الواقع. وعندما تصبح الإجراءات الإدارية سبباً في إغلاق الشركات، وهجرة المستثمرين، وتراجع الثقة في مناخ الأعمال، فإن المراجعة والإصلاح يصبحان ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
18/06/2026