تتجه حركة النقل البحري في منطقة البحر الأبيض المتوسط نحو مرحلة جديدة من إعادة التموضع الاستراتيجي، بعدما بدأ تحالف “جيميني”، الذي يجمع العملاقين البحريين ميرسك وهاباغ لويد، في تعزيز حضوره داخل هذا الممر الحيوي، في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة للموانئ المتوسطية في قلب التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.
وحسب معطيات نقلتها وسائل إعلام إسبانية متخصصة، فإن التحالف شرع منذ بداية يونيو في إعادة هيكلة جزء من شبكته البحرية، عبر تقليص بعض قدراته في خطوط آسيا–شمال أوروبا والمحيط الهادئ، بهدف تحرير سفن حاويات عملاقة وتوجيهها نحو البحر الأبيض المتوسط، حيث بات هذا الحوض البحري يستعيد موقعه كحلقة استراتيجية في سلاسل الإمداد العالمية.
وتشير بيانات شركة سي إنتليجنس إلى أن حصة تحالف “جيميني” من القدرة الاستيعابية في خط آسيا–شمال أوروبا تراجعت من 25.7 في المائة منتصف ماي إلى 22.5 في المائة خلال يونيو 2026، بعد استبدال سفن عملاقة تتجاوز طاقتها 18 ألف حاوية نمطية (TEU) بسفن أصغر تتراوح طاقتها بين 14 و15 ألف حاوية.
هذه السفن العملاقة لم تختفِ من المشهد، بل أعيد توجيهها نحو المتوسط، وهو ما سمح بتقوية خدمة AE15/SE3 التي تتوقف في ميناء طنجة المتوسط، حيث ارتفع متوسط قدرة السفينة الواحدة من حوالي 13 ألفاً و100 حاوية إلى 18 ألفاً و400 حاوية.
كما أطلق التحالف خطاً جديداً يحمل اسم AE19/SE4 بسفن تصل طاقتها إلى نحو 14 ألف حاوية نمطية، ما أدى إلى إضافة أكثر من 22 ألفاً و400 حاوية أسبوعياً في حركة النقل بين آسيا والبحر المتوسط.
وبفضل هذه التغييرات، ينتظر أن ترتفع حصة “جيميني” في محور آسيا–المتوسط إلى حوالي 29.7 في المائة خلال يوليوز 2026، بعدما كانت في حدود 23.4 في المائة بداية السنة، في مؤشر واضح على تحول بوصلة المنافسة البحرية نحو هذا الممر الحيوي.
هذا التحول يمنح ميناء طنجة المتوسط دفعة قوية، بعدما أصبح محطة أساسية ضمن شبكة “جيميني”، حيث تم تعزيز الخطوط البحرية التي تربط آسيا بالمتوسط بسفن أكبر وأكثر قدرة على نقل الحاويات. وهو ما يرسخ موقع المغرب كحلقة وصل رئيسية بين الأسواق الآسيوية والأوروبية والإفريقية.
وفي الجهة المقابلة، يراقب ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني هذه التحولات باهتمام بالغ، خصوصاً أن تعزيز طنجة المتوسط لم يأتِ عبر إضافة رحلات جديدة فقط، بل عبر تغيير هيكلي في توزيع الأسطول العالمي. ورغم أن الميناء الإسباني لم يحصل على الخطوط المعززة بشكل مباشر، فإن ارتفاع حركة الحاويات عبر مضيق جبل طارق قد يمنحه فرصاً إضافية.
فخدمة AE15/SE3 التي تم تعزيزها تتوقف في طنجة المتوسط، المنافس المباشر للجزيرة الخضراء، غير أن نمو قدرات الطرفين لا يعني بالضرورة خسارة أحدهما، إذ يتنافسان أيضاً على توزيع البضائع نحو موانئ أخرى، كما أن حركة نقل الحاويات بينهما عبر الشاحنات (Ro-Ro) تعرف نمواً سنوياً.
كما أن الميناءين يتوفران على منصات محورية تابعة لشبكة “جيميني” تديرها إيه بي إم تيرمينالز التابعة لمجموعة ميرسك، ما يسهل عمليات الربط والمناولة بين ضفتي المضيق.
وحالياً، يتوفر ميناء الجزيرة الخضراء على توقف واحد ضمن محور آسيا–المتوسط لشبكة “جيميني”، مقابل توقفين لطنجة المتوسط، إضافة إلى ارتباطه بخدمات مع موانئ آسيوية مثل نينغبو وتايلاند وسنغافورة، إلى جانب موانئ متوسطية مثل كرواتيا وسلوفينيا.
أما طنجة المتوسط، فيحظى بحضور أكبر في محور آسيا–المتوسط، إضافة إلى تفوقه في الربط مع شمال أوروبا عبر خطين إضافيين، ما يعكس التحول التدريجي في موازين القوة داخل واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
ويأتي هذا التطور في وقت يستعد فيه المغرب لدخول مرحلة جديدة مع قرب انطلاق ميناء الناظور غرب المتوسط خلال الأشهر القليلة المقبلة، وهو المشروع الذي ينتظر أن يضيف ثقلاً جديداً إلى البنية المينائية الوطنية، ويوفر منصة إضافية لاستقبال الخطوط البحرية الكبرى وتعزيز موقع المملكة كمركز لوجستي إقليمي ودولي.
فبين طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط، لا يبدو المغرب مجرد مستفيد من التحولات الجارية، بل يسعى إلى لعب دور فاعل في صناعتها. فالموقع الجغرافي للمملكة، المطل على واجهتين بحريتين والقريب من أهم طرق التجارة العالمية، يتحول تدريجياً إلى ورقة اقتصادية استراتيجية تعيد رسم خريطة الملاحة في غرب المتوسط.
ومع دخول عمالقة النقل البحري مثل ميرسك وهاباغ لويد على خط تعزيز حضورهم في المنطقة، فإن الرهان لم يعد فقط على مرور السفن العملاقة، بل على التحكم في سلاسل الإمداد العالمية ومراكز توزيع التجارة الدولية.
وهكذا يجد مضيق جبل طارق نفسه أمام فصل جديد من المنافسة البحرية، حيث لم تعد السفن ترسم فقط مساراتها فوق المياه، بل ترسم معها موازين نفوذ اقتصادي جديد. وبينما تتسابق الموانئ على جذب خطوط التجارة العالمية، يقترب ميناء الناظور غرب المتوسط من دخول المشهد، ليضيف ورقة جديدة إلى القوة اللوجستية المغربية، ويحوّل الساحل المتوسطي للمملكة إلى نقطة عبور يصعب تجاوزها في خريطة التجارة الدولية.
19/06/2026