يبدو أن التحالف المغربي الأمريكي دخل مرحلة جديدة وغير مسبوقة، بعدما قرر مجلس الشيوخ إدراج بند ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA)، يُلزم وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بوضع خارطة طريق تمتد لعشر سنوات لتعزيز المغرب باعتباره الشريك العسكري الأول للولايات المتحدة في القارة الإفريقية. وترى صحيفة “لاراثون” الإسبانية أن هذه الخطوة تمثل تحولًا استراتيجيًا كبيرًا ستكون له تداعيات مباشرة على إسبانيا، التي تجد نفسها مضطرة إلى إعادة تقييم عقيدتها الدفاعية في مضيق جبل طارق، ومنطقة المغرب الكبير، والجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي.
وترى الصحيفة أن أهمية القرار الأمريكي لا تكمن فقط في توسيع التعاون العسكري مع المغرب، بل أيضًا في منحه غطاءً قانونيًا يجعله بمنأى عن تغير الإدارات الأمريكية أو التقلبات السياسية وتقليص الميزانيات مستقبلًا، وهو ما يمنح الرباط شراكة استراتيجية طويلة الأمد مع أقوى قوة عسكرية في العالم. وبالنسبة لمدريد، التي تتقاسم مع المغرب الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي في إفريقيا عبر الثغور المحتلة، فإن هذا التطور يعيد رسم موازين القوى في المنطقة، ويغير معادلات الأمن الإقليمي في خضم سباق التسلح المتسارع بالمغرب الكبير.
وتؤكد الصحيفة أن الولايات المتحدة تبحث عن حليف إفريقي موثوق قادر على مواجهة تنامي النفوذ الروسي والصيني، وتأمين المصالح الغربية في المحيط الأطلسي ومنطقة الساحل، معتبرة أن المغرب استطاع أن يفرض نفسه شريكًا استراتيجيًا بفضل استقراره السياسي، وموقعه الجغرافي، وقدراته العسكرية المتنامية. كما يمنح هذا التقارب الرباط فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي وترسيخ حضورها كفاعل رئيسي في شمال إفريقيا.
وفي المقابل، تشير الصحيفة إلى أن إسبانيا تتابع هذا التحول بقدر كبير من الحذر، نظرًا لاعتمادها على التعاون مع المغرب في ملفات الأمن والهجرة ومحاربة الإرهاب، فضلًا عن الأهمية الحيوية التي يمثلها مضيق جبل طارق بالنسبة للأمن الإسباني والأوروبي، معتبرة أن انتقال الرباط إلى موقع الشريك العسكري الأول لواشنطن في إفريقيا يفرض واقعًا استراتيجيًا جديدًا على مدريد.
وتضيف “لاراثون” أن هذه الشراكة تأتي في وقت يشهد فيه المغرب تحديثًا واسعًا لقدراته الدفاعية، بعدما رفع ميزانيته العسكرية إلى أكثر من 15 مليار دولار، بالتزامن مع اقتناء مقاتلات F-16 Block 72، وتحديث جزء من أسطوله الجوي، ومواصلة المفاوضات بشأن مقاتلات رافال F4، إلى جانب تعزيز منظومات الدفاع الجوي والحصول على طائرات مسيرة هجومية. وفي المقابل، تواصل الجزائر بدورها تعزيز ترسانتها العسكرية عبر اقتناء مقاتلات سوخوي 35 وسوخوي 57 إي، مع ميزانية دفاعية تناهز 20 مليار دولار، ما يعكس احتدام سباق التسلح في المنطقة.
وبحسب الصحيفة، فإن هذا الواقع يفرض على إسبانيا مراجعة استراتيجيتها الدفاعية على ثلاثة مستويات رئيسية: أولها تعزيز القدرات العسكرية في مضيق جبل طارق عبر تكثيف المراقبة البحرية والحرب الإلكترونية، وثانيها رفع مستوى الجاهزية في جزر الكناري، التي تزداد أهميتها الاستراتيجية مع توسع القدرات البحرية والجوية المغربية، وثالثها تسريع وتيرة الإنفاق العسكري للوفاء بالتزامات حلف الناتو، الذي يدفع مدريد إلى رفع ميزانية الدفاع إلى 2 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مع التوجه مستقبلًا نحو سقف 3.5 في المائة.
وترى الصحيفة أن المفارقة تكمن في أن واشنطن تعمل على توطيد شراكتها العسكرية مع المغرب، بينما تجد إسبانيا نفسها مطالبة بالحفاظ على تعاونها مع الرباط في ملفات الأمن والهجرة، وفي الوقت نفسه الحد من تراجع نفوذها الإقليمي أمام تنامي الحضور الأمريكي بالمملكة، وهو ما يضع السياسة الخارجية الإسبانية أمام تحديات غير مسبوقة.
وتخلص “لاراثون” إلى أن مدريد باتت أمام معادلة استراتيجية معقدة، إذ يتعين عليها الموازنة بين علاقتها التقليدية مع الولايات المتحدة، وشراكتها الضرورية مع المغرب، والتزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي، في وقت أصبحت فيه الرباط شريكًا عملياتيًا أساسيًا لواشنطن في إفريقيا. وتطرح الصحيفة سؤالًا يعكس حجم القلق داخل الأوساط الإسبانية: كيف ستتكيف إسبانيا مع واقع إقليمي جديد أصبح فيه المغرب حليفًا استراتيجيًا دائمًا للولايات المتحدة، بينما باتت التحولات الكبرى في الجناح الجنوبي للمتوسط تُصاغ في واشنطن والرباط أكثر مما تُصاغ في مدريد؟
وبينما يواصل المغرب ترسيخ حضوره كشريك استراتيجي لواشنطن في إفريقيا، يبدو أن بعض وسائل الإعلام الإسبانية وجدت نفسها أمام واقع جديد يصعب تجاهله؛ فكلما عززت الرباط موقعها الدولي، ارتفعت في مدريد نبرة التحذير والقلق. وربما لم يعد السؤال المطروح هناك: ماذا يفعل المغرب؟ بل أصبح: كيف يمكن لإسبانيا أن تواكب مغربًا يتحرك بثقة نحو قلب التوازنات الإقليمية؟ أما عقارب الساعة، فيبدو أنها لم تعد تضبط توقيتها على مدريد… بل على إيقاع الشراكة المتنامية بين الرباط وواشنطن.
29/06/2026