في وقت لم تهدأ فيه بعد أصداء الاتفاق التاريخي بشأن جبل طارق بين إسبانيا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، بدأت تداعياته تمتد إلى الضفة الجنوبية للمتوسط، بعدما أعاد فتح النقاش حول مستقبل إدارة المعابر الحدودية مع المغرب. فبعد المبادرة التي أطلقها حزب “نويفا مليلية” للاستفادة من نموذج جبل طارق في تحديث تدبير الحدود، انضمت جمعية المغاربة القاطنين بجيب سبتة المحتلة إلى هذا الطرح، مطالبة بإعادة النظر في آليات العبور بين المغرب وكل من سبتة ومليلية المحتلتين، في مؤشر على اتساع دائرة الأصوات الداعية إلى مقاربة جديدة لأحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في العلاقات المغربية الإسبانية.
وترى الجمعية أن الاتفاق المبرم بشأن جبل طارق يشكل سابقة يمكن الاستفادة منها لتجاوز الإكراهات التي تعرفها المعابر البرية، معتبرة أن الظرفية الحالية تمثل فرصة مناسبة لإطلاق نقاش جاد حول آليات جديدة تحد من ساعات الانتظار الطويلة التي يعاني منها يوميًا آلاف المسافرين والعمال والطلبة ورجال الأعمال. وأكد رئيسها، محمد أحمد موح، أن النموذج المعتمد في جبل طارق يجسد تحولًا في مفهوم إدارة الحدود، بالانتقال من منطق الحواجز إلى منطق التعاون والتنقل المنظم.
وأضافت الجمعية أن تجربة جبل طارق، رغم اختلاف السياقات السياسية والجغرافية، تستحق الدراسة بهدف تطوير تدبير المعابر مع المغرب، والانتقال من نظام يقوم على التعقيدات والإجراءات المرهقة إلى نموذج يرتكز على التعاون والتنمية المشتركة، بما ينعكس إيجابًا على الحركة الاقتصادية والإنسانية بين الجانبين.
وأشارت إلى أن الوضع الحالي في معبر بني أنصار المؤدي إلى مليلية المحتلة ومعبر تاراخال المؤدي إلى سبتة المحتلة يفرض تحديات كبيرة على العابرين، إذ تتسبب الطوابير الطويلة في خسائر اقتصادية ومعاناة يومية، معتبرة أن مستوى التنسيق الأمني القائم بين المغرب وإسبانيا في مجالات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والتعاون الأمني يشكل أرضية مناسبة لبحث حلول جديدة.
واقترحت الجمعية إنشاء فريق عمل مشترك يضم خبراء من المغرب وإسبانيا، بمشاركة الاتحاد الأوروبي، لدراسة سبل تحديث منظومة العبور، من خلال تركيز المراقبة الأمنية في المنافذ البحرية والجوية، واعتماد تقنيات رقمية متطورة لتسريع الإجراءات، إلى جانب تعزيز التعاون الأمني بين الطرفين.
واختتمت الجمعية موقفها بالتأكيد على أن الحدود ينبغي ألا تظل مجرد نقاط للمراقبة، بل فضاءات للتعاون والتواصل وخلق الفرص، داعية إلى إدماج سبتة المحتلة ومليلية المحتلة في رؤية جديدة لإدارة الحدود بمنطقة البحر الأبيض المتوسط، بما يضمن انسيابية أكبر لحركة الأشخاص مع الحفاظ على المتطلبات الأمنية.
وبينما تتوالى الدعوات من داخل سبتة المحتلة ومليلية المحتلة لإعادة رسم نموذج تدبير المعابر مع المغرب، بعد أن سبق حزب “نويفا مليلية” إلى طرح الفكرة، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه المبادرات ستتجاوز سقف النقاش المحلي لتتحول إلى ورقة سياسية على طاولة الرباط ومدريد. ففي واحدة من أكثر الحدود حساسية في غرب البحر الأبيض المتوسط، قد لا يكون أي تعديل في آليات العبور مجرد إجراء إداري، بل قد يشكل مؤشرًا على تحولات أعمق في مسار العلاقات المغربية الإسبانية ومستقبل هذا الملف الشائك.
18/07/2026