في مشهد يكاد يلخص طريقة تدبير عدد من أوراش إعادة تأهيل شوارع الناظور، فوجئت الساكنة، بعد الانتهاء من أشغال التزفيت بشارع الحسن الثاني، بعودة مسلسل “سامحيني” إلى الواجهة، بعدما عادت الآليات إلى الشارع نفسه، ليس لإعادة تعبيده، بل لإنجاز قنوات لتصريف مياه الأمطار، قبل الشروع في ترقيع الأجزاء التي تم شقها. مشهد جعل كثيرين يتساءلون: أين كانت الدراسة التقنية قبل انطلاق الأشغال؟ وهل أصبح من الطبيعي أن يُعبَّد الطريق أولًا، ثم يُرقَّع بعد ذلك؟
وتزداد علامات الاستفهام مع استمرار الغموض الذي يلف هذه الصفقة، إذ لا يعرف الرأي العام، وفق ما يتداوله عدد من المتابعين، من هي الشركة التي تنجز الأشغال، ولا الجهة التي أعدت الدراسة، ولا من يتولى المراقبة وتتبع جودة الإنجاز. كما تتداول بعض المصادر ادعاءات بشأن وجود ارتباط غير مباشر بين الشركة ورئيس الجماعة، وهي ادعاءات تبقى بحاجة إلى ما يثبتها، الأمر الذي يجعل توضيح الحقائق للرأي العام ضرورة ملحة.
أما جودة التشطيبات واللمسات النهائية، فقد تحولت إلى مادة للسخرية أكثر منها نموذجًا يُحتذى به، بعدما ظهرت عيوب وإنهاءات وُصفت بالبدائية، في مشروع كان يُفترض أن يمنح المدينة شوارع عصرية، لا أن يثير موجة من الانتقادات منذ أيامه الأولى.
ولا تقف الملاحظات عند شارع الحسن الثاني فقط، فالمشهد نفسه يتكرر، بحسب متابعين، في شارع تاويمة، حيث تتحدث الساكنة عن تضاريس غير متجانسة، واعوجاجات واضحة، ومطبات لا حصر لها، في وقت كان الجميع ينتظر مشروعًا يحترم الحد الأدنى من معايير الجودة والسلامة.
وأمام هذه الاختلالات، تتعالى الأصوات المطالبة بتشكيل لجنة تقنية مستقلة ومحايدة لمعاينة الأشغال قبل تسلمها رسميًا، والتأكد من مطابقتها لدفاتر التحملات، وربط المسؤولية بالمحاسبة إذا ثبت وجود تقصير أو إخلال بشروط الإنجاز.
فالمدينة لا تحتاج إلى مشاريع تُستهلك فيها الأموال، ثم تُستهلك بعدها أعصاب المواطنين، بل إلى أوراش تُنجز وفق قواعد الهندسة، لا وفق قاعدة ساخرة بات يرددها السكان: “زفّت اليوم… ورقّع غدًا!”
وفي انتظار أن تكشف الجهات الوصية للرأي العام حقيقة ما يجري داخل هذه الأوراش، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: من سيوقع محضر تسلم هذه الأشغال، ومن سيتحمل مسؤولية عيوبها أمام المواطنين؟ فالأمر لا يتعلق بتشققات أو رتوش بسيطة، بل بمشاريع تُنجز بأموال دافعي الضرائب، يُفترض أن تحترم أعلى معايير الجودة والشفافية. أما إذا كانت هذه هي النتيجة النهائية، فإن الخشية ليست على شارع الحسن الثاني أو شارع تاويمة فقط، بل على مستقبل كل أوراش المدينة، التي قد تتحول إلى عنوان جديد لهدر المال العام، ما لم تتدخل لجنة مستقلة لافتحاص هذه المشاريع وترتيب المسؤوليات قبل أن يُطوى الملف، كغيره من الملفات، دون مساءلة أو محاسبة.


