ما إن أطلق الحكم صافرة نهاية مونديال 2026، حتى سارعت بعض المنابر الإسبانية إلى إعلان «انتصار» جديد، هذه المرة ليس فوق أرضية الملعب، بل في معركة لم تُحسم بعد داخل أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم. فبعد تتويج المنتخب الإسباني بكأس العالم، خرجت صحيفة «أوكي دياريو» لتقدم رواية مثيرة مفادها أن إسبانيا «سجلت هدفاً في مرمى المغرب» بشأن نهائي مونديال 2030، وكأن رفع الكأس في نيوجيرسي يمنح تلقائياً مدريد تذكرة المرور إلى نهائي سيقام بعد أربع سنوات!
لكن الحقيقة أن الاتحاد الدولي لكرة القدم لا يوزع حق استضافة النهائيات بمنطق «من فاز اليوم يستضيف غداً»، ولا يمنح الملاعب نقاطاً إضافية لمجرد أن منتخباً توج بطلاً للعالم. فنهائي كأس العالم 2030 جزء من ملف تنظيمي مشترك، والحسم فيه يفترض أن يخضع لمعايير واضحة تتعلق بالبنية التحتية، والطاقة الاستيعابية، والجاهزية اللوجستية، والقدرة التنظيمية، وليس بمنطق الاحتفال الرياضي أو الحسابات الإعلامية.
والأغرب في الطرح الإسباني أن المقال يتحدث عن المغرب وكأنه دخل فجأة إلى السباق من الباب الخلفي، بينما الواقع أن المملكة شريك أساسي في تنظيم مونديال 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وأن ملفاً ضخماً بحجم هذا الحدث لا يُختزل في مباراة واحدة، ولا في رغبة صحيفة أو مسؤول رياضي في مدريد.
بل إن الحديث المتكرر عن أن «إسبانيا سجلت هدفاً في مرمى المغرب» يكشف، في حد ذاته، عن حجم التوتر الذي بدأ يحيط بسباق استضافة النهائي. فحين تتحول مباراة نهائية إلى معركة إعلامية بين بلدين شريكين في تنظيم المونديال، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام منافسة رياضية حقيقية، أم أمام محاولة مبكرة لتوجيه الرأي العام وممارسة الضغط على الاتحاد الدولي لكرة القدم قبل أن يقول كلمته؟
ثم إن التتويج بكأس العالم، مهما كان عظيماً، لا يعني أن البلد البطل يملك صكاً حصرياً لتنظيم النهائي. ولو كان الأمر كذلك، لتحولت استضافة المباريات النهائية إلى جائزة تُمنح تلقائياً للمنتخب المتوج، ولما بقيت للاتحاد الدولي لكرة القدم أي معايير أو ملفات أو قرارات.
أما الحديث عن أن «من الصعب أن يقول أحد لا لبطلة العالم»، فهو أقرب إلى خطاب دعائي منه إلى قاعدة قانونية أو رياضية. فالاتحاد الدولي لكرة القدم مؤسسة دولية، وقراراته لا يفترض أن تُبنى على العاطفة، ولا على هوية المنتخب الذي رفع الكأس، بل على مصلحة البطولة ونجاحها، وقدرة البلد المضيف على توفير أفضل الظروف للجماهير والمنتخبات ووسائل الإعلام.
وإذا كانت إسبانيا تراهن على ملعب سانتياغو برنابيو، فإن المغرب يملك بدوره ورقة ثقيلة للغاية تتمثل في مشروع ملعب الحسن الثاني بالدار البيضاء، الذي يُرتقب أن يصبح واحداً من أكبر الملاعب في العالم، فضلاً عن الدينامية الكبيرة التي تعرفها المملكة في مجال البنية التحتية الرياضية، والتي جعلتها خلال السنوات الأخيرة محط أنظار الاتحادات الرياضية الدولية.
والأهم من ذلك أن المغرب لا يدخل هذا السباق بمنطق «الضجيج الإعلامي»، بل بمنطق مشروع متكامل يتجاوز حدود ملعب واحد. فالمملكة راكمت خلال السنوات الماضية خبرة واسعة في تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى، واستضافت منافسات قارية ودولية، كما نجحت في بناء صورة قوية على مستوى التنظيم والبنية التحتية والاستقبال.
لذلك، فإن محاولة تقديم التتويج الإسباني على أنه «ضربة قاضية» للمغرب تبدو أقرب إلى أمنية إعلامية منها إلى حقيقة محسومة. فالمغرب لم يخسر شيئاً، لأن السباق على النهائي لم ينته أصلاً، والقرار النهائي لم يصدر، وأي حديث عن «انتصار إسباني» أو «هزيمة مغربية» لا يتجاوز كونه قراءة مبكرة لمعركة لا تزال مفتوحة.
والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الأصوات الإسبانية تريد أن تقنع الجمهور بأن المغرب أصبح في موقف دفاعي لمجرد أن إسبانيا فازت بكأس العالم. لكن الرياضة شيء، وتنظيم كأس العالم شيء آخر. فالمنتخب الذي يرفع الكأس فوق أرضية الملعب لا يحصل تلقائياً على مفاتيح المونديال المقبل، ولا تتحول الميدالية الذهبية إلى صك ملكية لاستضافة النهائي.
وفي نهاية المطاف، إذا كان النهائي سيقام في مدريد أو الدار البيضاء، فإن القرار يجب أن يكون مبنياً على معايير موضوعية ومصلحة كرة القدم العالمية، لا على حملة إعلامية تريد تحويل كأس العالم إلى ورقة تفاوضية. أما المغرب، الذي دخل تاريخ تنظيم مونديال 2030 من بوابة الشراكة الثلاثية، فلن يحتاج إلى «ضربة جزاء» من أحد، ولا إلى مجاملة من صحيفة، لإثبات أنه قادر على احتضان أكبر مباراة في العالم.
وإذا كان بعض الإعلام الإسباني قد احتفل مبكراً بما سماه «هدفاً في مرمى المغرب»، فقد يكون من المفيد تذكيره بأن صافرة النهاية لم تُطلق بعد… وأن المباراة الحقيقية لا تزال تُلعب، هذه المرة ليس فوق العشب، بل في أروقة القرار، حيث لا تُحتسب الأهداف بالضجيج، ولا تُمنح الكؤوس بالمقالات.
وهكذا، بينما بدأت بعض الأبواق الإسبانية في توزيع الكؤوس قبل أن تنتهي المباراة، يبقى السؤال معلقاً في الهواء، مثل مشهد أخير من فيلم للمخرج ألفريد هيتشكوك: من سيحمل مفتاح النهائي؟ ومن سيخرج من الظل ليقلب الطاولة في اللحظة الأخيرة؟
قد يبدو المشهد اليوم وكأن مدريد تتقدم، وقد يراهن البعض على أن التتويج الإسباني حسم كل شيء… لكن في عالم الاتحاد الدولي لكرة القدم، حيث تُتخذ القرارات بعيداً عن الأضواء، لا شيء ينتهي قبل أن تُغلق الأبواب وتُطفأ الكاميرات. وربما، عندما تسقط الستارة أخيراً، يكتشف الذين أعلنوا انتصارهم مبكراً أن «الهدف» الذي احتفلوا به لم يكن سوى طلقة تحذيرية في مباراة لم تبدأ بعد… وأن المفاجأة الكبرى كانت تنتظرهم في آخر دقيقة، حيث لا يعرف أحد حتى الآن: هل سيكون النهائي في مدريد… أم أن الدار البيضاء ستخطف المشهد في اللحظة التي يظن فيها الجميع أن اللعبة انتهت؟
22/07/2026