في الوقت الذي كان فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يحط الرحال في مدريد، حاملاً معه رسائل تعزيز العلاقات وتوطيد التعاون مع إسبانيا، كان مجلس الشيوخ الإسباني يكتب فصلاً مختلفاً تماماً من القصة. فبالتزامن مع زيارة الدولة التي يقوم بها ماكرون إلى إسبانيا، رفضت الغرفة العليا للبرلمان الإسباني المصادقة على معاهدة الصداقة والتعاون بين مدريد وباريس، في مشهد سياسي بالغ الرمزية وضع الزيارة الفرنسية أمام مفارقة يصعب تجاهلها.
المشهد كان أكثر إحراجاً بسبب التوقيت. فبينما كان ماكرون وزوجته بريجيت يستقبلان من طرف الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا، وتتوالى المراسم الرسمية واللقاءات التي يفترض أن تعكس متانة الشراكة الفرنسية-الإسبانية، كان مجلس الشيوخ، وعلى بعد مسافة قصيرة، يصوت ضد المعاهدة التي يفترض أن تمنح هذه العلاقة إطاراً سياسياً ومؤسساتياً أكثر رسوخاً.
وبعبارة أكثر وضوحاً: ماكرون كان في مدريد للاحتفال بالصداقة، فيما كان البرلمان الإسباني يصوّت على تعطيل الوثيقة التي تحمل اسمها.
ورفض مجلس الشيوخ المعاهدة بـ142 صوتاً مقابل 106 أصوات مؤيدة، مع امتناع عضو واحد عن التصويت. وصوت الحزب الشعبي “PP” وحزب “فوكس” ضد النص، بينما أيدته قوى أخرى من بينها الحزب الاشتراكي، وجونتس، واليسار الجمهوري الكتالوني، وبيلدو، فيما امتنع اتحاد شعب نافارا “UPN”، بينما لم يصوت حزب “BNG”.
وتعود جذور الملف إلى معاهدة الصداقة والتعاون التي وقعها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في برشلونة في يناير 2023. وبعد مسار برلماني متعثر، صادق عليها الكونغرس الإسباني في أبريل 2026، قبل أن تنتقل إلى مجلس الشيوخ لاستكمال مسطرة المصادقة. وكانت فرنسا قد صادقت بدورها على المعاهدة سنة 2025.
لكن مادة واحدة تحولت إلى حجر عثرة حقيقي أمام المعاهدة، ويتعلق الأمر بالمادة 2.4، التي تنص على دعوة عضو من حكومة كل بلد للمشاركة في إطار مجلس وزراء البلد الآخر مرة واحدة على الأقل كل ثلاثة أشهر وبالتناوب.
وهنا بدأت المعركة الدستورية. فقد أثار الحزب الشعبي تحفظات بشأن هذه المقتضيات، ودفع في اتجاه إحالة المسألة على المحكمة الدستورية الإسبانية، على أساس أن مشاركة وزير أجنبي في اجتماع حكومي إسباني تثير إشكالات دستورية.
غير أن مدريد وباريس توصلتا لاحقاً إلى تفسير مشترك للمادة، يقضي بأن حضور الوزير الأجنبي سيكون “على هامش” مجلس الوزراء، وفي اجتماع منفصل، وليس باعتباره عضواً مشاركاً في الاجتماع الحكومي الرسمي. وقد اعتبرت المحكمة الدستورية أن هذا التفسير ينسجم مع النص والمعايير الدستورية الإسبانية.
وفي 23 شتنبر الجاري، حسمت المحكمة الدستورية الإسبانية الملف بالإجماع، مؤكدة عدم وجود تعارض بين المعاهدة والدستور الإسباني، وهو القرار الذي جاء قبل أيام قليلة فقط من زيارة ماكرون إلى مدريد.
لكن الحكم الدستوري لم يكن كافياً لإنهاء المواجهة السياسية. فالحزب الشعبي حافظ على رفضه للمعاهدة، مؤكداً، على لسان السيناتورة بيلار روخو، أن موقفه لا يستهدف فرنسا باعتبارها دولة “صديقة وجارة وشريكة”، وإنما يرتبط بتحفظاته على نطاق الالتزامات التي يتضمنها الاتفاق.
في المقابل، وجه الحزب الاشتراكي انتقادات إلى المحافظين بسبب استمرار رفضهم للمعاهدة بعد صدور الحكم الدستوري الذي أقر توافقها مع الدستور.
والأكثر إثارة في المشهد أن التصويت البرلماني تزامن تقريباً مع بداية مأدبة العشاء الرسمية التي أقامها الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا على شرف إيمانويل وبريجيت ماكرون في القصر الملكي بمدريد. وبينما كانت الكؤوس ترفع احتفاءً بالعلاقات الفرنسية-الإسبانية، كان التصويت في مجلس الشيوخ يرسل رسالة سياسية مختلفة تماماً.
ومع ذلك، لم تتوقف أجندة الرئيس الفرنسي. فقد واصل ماكرون زيارته الرسمية، والتقى بيدرو سانشيز لمناقشة ملفات التعاون الثنائي والقضايا الأوروبية والدولية، كما شارك في فعاليات اقتصادية إلى جانب الملك فيليبي السادس، فيما ظل ملف المعاهدة حاضراً بقوة في خلفية الزيارة.
بل إن ماكرون نفسه حاول تخفيف وقع الرفض البرلماني، مؤكداً أن اتفاق الصداقة والتعاون سيُنجز في نهاية المطاف، في رسالة تعكس تمسك باريس بالمشروع رغم العقبة التي وضعها مجلس الشيوخ الإسباني في طريقه.
وهكذا وجد الرئيس الفرنسي نفسه أمام مفارقة سياسية نادرة: زيارة دولة يفترض أن تكون احتفالاً بالصداقة الفرنسية-الإسبانية، تزامنت مع إسقاط مجلس الشيوخ الإسباني لمعاهدة تحمل هذه الصداقة عنواناً.
وبينما استمرت الصور الرسمية والمصافحات والابتسامات أمام الكاميرات، جاء التصويت من داخل المؤسسة التشريعية ليكشف أن الطريق نحو المصادقة النهائية على المعاهدة لا يزال مليئاً بالمطبات السياسية. فالصداقة التي احتُفل بها في القصر الملكي، اصطدمت في اليوم نفسه بجدار مجلس الشيوخ… وفي السياسة، أحياناً يكون توقيت الرسالة أقوى من مضمونها.
30/09/2026