kawalisrif@hotmail.com

نفق المخدرات يهزّ إسبانيا من الداخل.. عناصر من وحدة النخبة في قلب اللقاء الغامض وأسئلة تقترب من «رؤوس كبيرة»

نفق المخدرات يهزّ إسبانيا من الداخل.. عناصر من وحدة النخبة في قلب اللقاء الغامض وأسئلة تقترب من «رؤوس كبيرة»

لم تعد قضية أنفاق المخدرات التي تم اكتشافها في محيط سبتة المحتلة مجرد ملف أمني عادي يتعلق بشبكات تهريب الحشيش بين المغرب وإسبانيا، بعدما بدأت خيوط جديدة تخرج من تحت الأرض لتقود التحقيق الإسباني إلى مسارات أكثر حساسية، وتضع وحدة العمليات المركزية التابعة للحرس المدني الإسباني، المعروفة اختصاراً بـ«UCO»، في قلب عاصفة من الأسئلة التي قد تكون لها تداعيات تتجاوز حدود عملية «أريس» التي قادت إلى تفكيك أجزاء من الشبكة واكتشاف نفق ثانٍ لتهريب المخدرات.

فبحسب ما أوردته صحيفة محلية، فإن المحكمة الوطنية الإسبانية قررت الاستماع إلى أحد المسؤولين في وحدة العمليات المركزية، بعدما برزت معطيات حول اجتماع جمع عنصرين من هذه الوحدة النخبوية بأشخاص كانوا يوجدون تحت مجهر التحقيق في قضية أنفاق المخدرات، وهو اللقاء الذي تمكنت وحدة مكافحة المخدرات من رصده خلال عمليات المراقبة، قبل أن تكتشف لاحقاً أن الشخصين اللذين ظهرا في المشهد لم يكونا مجرد مجهولين، بل عنصرين من جهاز أمني شديد الحساسية.

القضية، التي بدأت كتحقيق حول شبكة تهريب وأنفاق سرية تمر عبر منطقة تاراخال، أخذت منحى آخر بعدما رصدت وحدة مكافحة المخدرات في الثاني من أبريل اجتماعاً بين شخصين تعتبرهما من أبرز المشتبه في ارتباطهم بشبكة الأنفاق وعنصرين لم تكن تعرف هويتهما في البداية. الرجلان وصلا إلى مكان اللقاء على متن سيارة مستأجرة، ما دفع المحققين إلى البحث عن هوية مستأجرها، قبل أن تتكشف تدريجياً خيوط أكثر إثارة، بعدما تبين أن السيارة كانت مستأجرة من طرف المديرية العامة للحرس المدني الإسباني، وأن الشخصين قد يكونان من عناصر وحدة العمليات المركزية.

هنا بدأت الأسئلة الثقيلة تفرض نفسها داخل التحقيق الإسباني: ماذا كان يفعل عنصران من وحدة نخبة تابعة للحرس المدني في اجتماع مع أشخاص يوجدون في صلب تحقيق حول شبكة أنفاق لتهريب المخدرات؟ هل كانا ينفذان مهمة سرية مرتبطة بتحقيق آخر؟ ومن كان يعلم بتحركاتهما؟ وهل كانت القيادات الأمنية العليا على علم بتلك اللقاءات؟ أم أن أجهزة أمنية إسبانية مختلفة كانت تشتغل على الملفات نفسها، لكن كل واحدة منها في اتجاه منفصل، إلى درجة أن وحدة مكافحة المخدرات لم تكن تعرف، وفق روايتها، أن الرجلين اللذين تراقبهما ينتميان إلى وحدة العمليات المركزية؟

المعطيات التي أوردتها الصحيفة الإسبانية تشير إلى أن يوم 4 أبريل شهد اكتشاف تقاطع لافت بين تحقيقين، أحدهما تقوده وحدة مكافحة المخدرات والآخر مرتبط بالشؤون الداخلية، بعدما تبين أن الجهازين كانا يحققان في الشخص نفسه. وبعد ذلك تم الاتفاق على مواصلة التحقيقات بشكل مستقل، قبل أن يتضح في 11 أبريل أن السيارة المستأجرة مرتبطة بالمديرية العامة للحرس المدني، ليتم توجيه إشعار سري إلى الشؤون الداخلية، وسط احتمال أن يكون الشخصان المجهولان عنصرين من وحدة العمليات المركزية.

لكن الأخطر في هذه الرواية هو ما تؤكده وحدة مكافحة المخدرات من أنها لم تتلق، حسب تقريرها، أي إخطار رسمي موثق أو تنسيق واضح بشأن الاجتماع الذي جرى رصده في الثاني من أبريل 2025، رغم أن اللقاء كان يجمع أشخاصاً يوجدون تحت التحقيق بعنصرين من وحدة نخبة تابعة للحرس المدني. وهو ما يفتح الباب أمام احتمال وجود تحقيقات متوازية لم تكن جميع الأجهزة على علم بتفاصيلها، أو على الأقل يطرح علامات استفهام حول مستوى التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية الإسبانية عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة تتقاطع فيها المخدرات والفساد والتحقيقات الداخلية.

وفي خضم هذه التطورات، تكتسي إفادة أحد قادة وحدة العمليات المركزية أهمية خاصة، لأنه قد يكون الشخص القادر على تقديم إجابات عن الأسئلة التي ظلت معلقة: لماذا كان عنصران من وحدته يجتمعان مع المشتبه فيهم؟ ما طبيعة المهمة التي كانا ينفذانها؟ من أعطى الأوامر؟ من كان على علم بالاجتماعات؟ وهل كانت تلك اللقاءات مسجلة أو موثقة؟ والأهم، متى علمت القيادات الأمنية بوجود هذا الاتصال بين عناصر من وحدة النخبة وأشخاص تعتبرهم وحدة مكافحة المخدرات من أبرز أهدافها في قضية أنفاق المخدرات؟

وتزداد حساسية الملف بعدما تحدث التقرير عن مكالمة هاتفية تلقاها أحد المسؤولين، قدم خلالها المتحدث نفسه باعتباره قائداً في الحرس المدني، وأبلغه بأن الأشخاص الذين حضروا الاجتماع هم عناصر أمنية. غير أن تفاصيل المكالمة، من تاريخها ورقمها وطريقة إجرائها، لم يتم تحديدها بشكل دقيق، وهو ما يزيد من مساحة الغموض التي تحيط بهذه القضية.

وفي الوقت الذي كانت فيه وحدة مكافحة المخدرات تلاحق خيوط شبكة يُشتبه في تخطيطها وتنفيذها عمليات مرتبطة بتهريب المخدرات، كانت هناك، بحسب المعطيات المنشورة، تحركات أخرى تجري في الظل، واجتماعات بين عناصر أمنية وأشخاص يوجدون تحت التحقيق. وبينما تؤكد الصحيفة أن الأمر لا يعني بالضرورة وجود تواطؤ أو فساد، فإن مجرد وجود هذه اللقاءات أصبح الآن موضوعاً للتحقيق القضائي، خصوصاً أن أحد الحراس المدنيين السابقين المعتقلين كان يؤكد أنه كان بمثابة حلقة وصل مع وحدة العمليات المركزية.

والأكثر إثارة أن أحد الاجتماعات التي رصدتها وحدة مكافحة المخدرات تم تسجيلها صوتياً، وانتهت، وفق الرواية الإسبانية، بمغادرة المشاركين الأربعة وسط عناق وتوديع، في مشهد يطرح أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة، ويجعل المحققين أمام ضرورة تحديد طبيعة العلاقة بين الأطراف الأربعة، وما إذا كان اللقاء مجرد جزء من مهمة أمنية سرية، أم أن هناك تفاصيل أخرى لم تظهر بعد إلى العلن.

القضية الآن أمام المحكمة الوطنية الإسبانية، والإجابة المنتظرة من قائد وحدة العمليات المركزية قد تكون بمثابة مفتاح يفتح أبواباً جديدة في هذا الملف، ليس فقط لمعرفة ما كان يفعله عنصران من وحدة النخبة في ذلك الاجتماع، وإنما أيضاً لمعرفة من كان يعلم بتحركاتهما، وما طبيعة المهمة التي كانا ينفذانها، وهل كانت هناك تنسيقات سرية بين الأجهزة المختلفة أم أن التحقيقات كانت تتحرك في مسارات متقاطعة دون علم بعضها البعض.

وهكذا، فإن نفق المخدرات الذي يفترض أنه كان ممراً سرياً لتهريب الحشيش بين ضفتي المتوسط، بدأ يتحول إلى نفق آخر، أكثر غموضاً وخطورة، يقود هذه المرة إلى قلب الأجهزة الأمنية الإسبانية نفسها. وبينما تواصل المحكمة الوطنية تفكيك خيوط القضية، يبقى السؤال الأكبر معلقاً: من كان يعرف؟ ومن كان يراقب من؟ ولماذا كان عنصران من وحدة النخبة الإسبانية يجتمعان مع الأشخاص الذين وضعتهم وحدة مكافحة المخدرات في صدارة تحقيقاتها؟ أسئلة قد تجعل قضية «أريس» تتجاوز حدود شبكة تهريب وأنفاق تحت الأرض، لتتحول إلى ملف أمني وقضائي مفتوح على احتمالات كثيرة، في انتظار ما ستكشفه إفادات المسؤولين وما إذا كانت الحقيقة ستبقى مدفونة في نفق المخدرات، أم ستخرج إلى العلن لتضع أسماء جديدة تحت مجهر التحقيق.

22/07/2026

مقالات خاصة

Related Posts