تتجه العلاقات المغربية الفرنسية نحو مرحلة جديدة لا تستند فقط إلى رصيدها التاريخي والسياسي والاقتصادي، بل إلى إعادة تعريف موقع البلدين داخل التحولات الجيوسياسية والجيواقتصادية التي يشهدها العالم. فقد تغير موقع المغرب خلال العقود الأخيرة من دولة مرتبطة أساساً بالفضاء المتوسطي إلى فاعل يتمتع بامتداد إفريقي وأطلسي وبنية لوجستية ومينائية متنامية، في وقت تبحث فيه فرنسا عن مقاربة جديدة لحضورها في إفريقيا وأوروبا. ويعكس هذا التحول انتقال العلاقة من نموذج تقليدي قائم على الروابط التاريخية إلى شراكة تقوم على المصالح المتبادلة، خصوصاً في مجالات الصناعة والطاقة واللوجستيك والتكنولوجيا والأمن، ضمن فضاء أورو-إفريقي-أطلسي تتزايد فيه أهمية الموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد.
وتبرز الأهمية الاستراتيجية للمغرب من خلال موقعه عند تقاطع البحر المتوسط والمحيط الأطلسي وامتداده نحو إفريقيا، إلى جانب تطويره لموانئ وبنى تحتية وشبكات نقل وصناعات تصديرية ومشاريع طاقية تعزز دوره في تنظيم التدفقات التجارية والاقتصادية. وفي هذا السياق، تكتسب موانئ طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي أهمية ضمن رؤية أوسع لتنويع المسارات وتعزيز المرونة أمام اضطرابات الممرات البحرية، في وقت أظهرت أزمات دولية حديثة أن الطاقة والتجارة والكابلات البحرية والبنية اللوجستية أصبحت جزءاً من مفهوم الأمن القومي. وتمنح هذه المعطيات للشراكة مع فرنسا مضموناً جديداً، يقوم على الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا والاستثمار في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والربط الكهربائي وصناعات السيارات والطيران والفضاء والدفاع، إلى جانب التعاون في الأمن السيبراني والبحث العلمي والتعليم، مع الحفاظ على استقلال القرار وتنوع الشراكات الخارجية لكل طرف.
ويظل نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة الرباط وباريس على تثبيت الثقة السياسية وتحويل التقارب إلى مشاريع ملموسة وآليات مستدامة لإدارة الخلافات، خصوصاً في ما يتعلق بقضية الصحراء المغربية التي تشكل عنصراً أساسياً في تصور المغرب لشراكاته الاستراتيجية. كما أن التعاون المغربي الفرنسي في إفريقيا مرشح للانتقال من منطق النفوذ التقليدي إلى شراكة تقوم على احترام استقلالية القرار وتلبية احتياجات الدول الإفريقية، مع إمكانية توسيعها لتشمل إسبانيا والبرتغال والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ودول الخليج وشركاء أفارقة. وفي ظل ما يصفه النص بـ«القرن الأطلسي»، حيث تتزايد أهمية القدرة على ربط الأقاليم وتأمين تدفقات التجارة والطاقة والتكنولوجيا، يمكن للعلاقة المغربية الفرنسية أن تتجاوز إطارها الثنائي لتصبح جزءاً من هندسة أورو-إفريقية-أطلسية أوسع، شريطة أن تقوم على تكامل القدرات والمصالح، لا على الامتيازات التاريخية أو التراتبية.
22/07/2026