kawalisrif@hotmail.com

من طروادة إلى أرض المغرب.. كيف خطف نولان أسرار «الأوديسة» من الأساطير ومنحها روحاً مغربية؟

من طروادة إلى أرض المغرب.. كيف خطف نولان أسرار «الأوديسة» من الأساطير ومنحها روحاً مغربية؟

لم يكن المغرب، في فيلم «الأوديسة» للمخرج العالمي كريستوفر نولان، مجرد فضاء عابر احتضن بعض مشاهد العمل، بل تحول إلى أحد أبرز مكونات هويته البصرية، بعدما وظفت الكاميرا تنوع الجغرافيا المغربية لإعادة بناء عالم أسطوري يمتد من أطلال طروادة إلى أعماق البحار، ومن المدن التاريخية إلى الصحاري المفتوحة.

وبينما تنقلت عمليات تصوير الفيلم بين اليونان وإيطاليا وآيسلندا واسكتلندا والولايات المتحدة، وجد نولان في المغرب فضاءً سينمائياً استثنائياً يجمع، في بلد واحد، ما يحتاج عادةً إلى عشرات المواقع حول العالم؛ قصبات تاريخية، وعمارة طينية، وسواحل أطلسية عاصفة، وكثبان رملية تمتد إلى ما لا نهاية، وهي عناصر منحت الملحمة السينمائية أبعاداً بصرية يصعب تجاهلها.

في قلب الجنوب المغربي، برزت قصبة آيت بن حدو، القريبة من ورزازات، باعتبارها واحدة من أهم المواقع التي ارتبطت بأحداث الفيلم، حيث تحولت معالمها التاريخية إلى فضاء يجسد مشاهد سقوط مدينة طروادة، في لحظة سينمائية تستعيد واحدة من أشهر الحكايات في التاريخ والأساطير الإغريقية، عندما تنفتح أبواب المدينة أمام الخدعة الشهيرة لحصان طروادة، لتبدأ بعدها مشاهد الاقتحام والمعارك والحرائق والانهيار.

ولم يكن اختيار آيت بن حدو مفاجئاً بالنسبة إلى المتابعين لصناعة السينما العالمية، فالقصبة، المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، راكمت على مدى عقود حضوراً لافتاً في أعمال سينمائية وتلفزيونية ضخمة، من «لورنس العرب» إلى «المصارع»، وصولاً إلى مسلسل «صراع العروش»، لتؤكد مرة أخرى أن هذا الموقع المغربي لا يؤدي دور الخلفية الصامتة، بل يفرض شخصيته الخاصة على كل إنتاج يمر بين جدرانه الطينية.

وإذا كانت آيت بن حدو قد منحت «الأوديسة» ملامح المدينة الأسطورية، فإن الصويرة تولت مهمة أكثر اضطراباً، عندما تحولت مياه المحيط الأطلسي إلى مسرح لصراع أوديسيوس مع البحر وقوى الطبيعة.

فالأمواج العاتية والرياح القوية التي تميز الساحل الأطلسي للمدينة ساعدت على صناعة صورة البحر الغاضب الذي يواجهه البطل خلال رحلته الطويلة، لتبدو مشاهد غضب بوسيدون أكثر واقعية، بعيداً عن الاعتماد الكامل على المؤثرات البصرية. كما حضرت شواطئ الصويرة في مشاهد مرتبطة بحصان طروادة، إلى جانب لحظات انطلاق الرحلة البحرية نحو مملكة إيثاكا.

وهنا تظهر المفارقة الجميلة التي صنعتها السينما؛ فالصويرة، التي يعرفها العالم اليوم كوجهة سياحية ورياضية لعشاق ركوب الأمواج والرياضات البحرية، ظهرت في «الأوديسة» بصورة مختلفة تماماً، كبحر عاصف ومخيف، وكأن المدينة نفسها انتقلت من الواقع السياحي إلى قلب الأسطورة الإغريقية.

وفي أقصى جنوب المملكة، حضرت الداخلة لتقدم وجهاً آخر للمغرب، أكثر هدوءاً وغموضاً، من خلال المشاهد المرتبطة بجزيرة «أوجيجيا»، حيث تحتجز الحورية كاليبسو البطل أوديسيوس لسنوات طويلة، في محاولة لإبعاده عن وطنه ومنعه من استكمال رحلته.

وبين الكثبان الرملية البيضاء والمناطق الساحلية الهادئة، وجدت الكاميرا في الداخلة فضاءً مثالياً لبناء عالم متخيل يجمع بين العزلة والجمال والغموض. طبيعة بكر، وشريط ساحلي مفتوح، وصحراء تلتقي بالبحر؛ كلها عناصر منحت الفيلم خلفيات بصرية آسرة، وجعلت المكان المغربي يبدو وكأنه جزيرة أسطورية لا تنتمي إلى زمن محدد.

ومع النجاح التجاري والجماهيري الكبير الذي حققه الفيلم، لم تعد مواقع التصوير مجرد أماكن يعرفها العاملون في صناعة السينما، بل تحولت إلى نقاط جذب لعشاق الأفلام والسفر، في وقت بدأت فيه عمليات البحث عن مواقع تصوير «The Odyssey» تحظى باهتمام متزايد، مع بروز المواقع المغربية ضمن الوجهات التي تستقطب فضول الجمهور العالمي.

وحقق الفيلم انطلاقة قياسية في شباك التذاكر العالمي، بعدما حصد أكثر من 265 مليون دولار خلال ثلاثة أيام فقط من عرضه في دور السينما بأمريكا وكندا وأوروبا، وهو ما يعكس حجم الإقبال الجماهيري على أحدث أعمال المخرج الأمريكي-البريطاني كريستوفر نولان، ويضاعف من حجم الظهور العالمي للمواقع المغربية التي احتضنت تصوير عدد من مشاهده.

وإذا كانت هذه الأرقام قد ساهمت في رفع منسوب الاهتمام بالفيلم، فإن المغرب استفاد مرة أخرى من قوة السينما باعتبارها واحدة من أكثر أدوات الترويج السياحي تأثيراً. فالمشاهد الذي يرى قصبة آيت بن حدو أو شواطئ الصويرة أو رمال الداخلة على الشاشة، قد يتحول بعد نهاية الفيلم من متفرج إلى سائح يبحث عن تلك الصورة في الواقع.

وقد ساهمت التغطيات الدولية في تعزيز هذا الاهتمام، خصوصاً مع إبراز مواقع متخصصة في السفر والسياحة لجاذبية المواقع المغربية التي احتضنت تصوير الفيلم. كما أُعيد تسليط الضوء على آيت بن حدو باعتبارها واحدة من أبرز المعالم التاريخية التي ارتبط اسمها لعقود بصناعة السينما العالمية، فيما برزت الصويرة من خلال طبيعتها الأطلسية الفريدة، بينما قدمت الداخلة نفسها للعالم كفضاء طبيعي قادر على احتضان أكثر العوالم السينمائية خيالاً.

ويؤكد متابعون أن الصورة المبهرة التي قدمها نولان عن جمال المغرب وتنوع طبيعته ستسهم، بلا شك، في الترويج للسياحة المغربية، تماماً كما فعلت أعمال سينمائية عالمية سابقة حولت مواقع تصويرها إلى وجهات يقصدها ملايين الزوار من مختلف أنحاء العالم.

لكن الأهم من كل ذلك أن «الأوديسة» قدمت، من حيث لا يدري كثيرون، صورة جديدة عن المغرب؛ صورة بلد لا يحتاج إلى بناء ديكورات ضخمة حتى يصنع عالماً أسطورياً، لأن جزءاً كبيراً من تلك العوالم موجود أصلاً في جغرافيته وتاريخه وطبيعته.

ففي المغرب يمكن لقصبة تاريخية أن تتحول إلى طروادة، ولأمواج الأطلسي أن تصبح غضب بوسيدون، ولرمال الصحراء أن تتحول إلى جزيرة غامضة في قلب أسطورة إغريقية.

وهكذا، بينما كان أوديسيوس يخوض رحلته الأسطورية بحثاً عن طريق العودة إلى إيثاكا، كانت كاميرا كريستوفر نولان تخوض رحلة أخرى عبر المغرب، من الجنوب التاريخي إلى الساحل الأطلسي وصولاً إلى أقصى الصحراء، لتثبت مرة أخرى أن المملكة ليست مجرد موقع تصوير في السينما العالمية، بل فضاء قادر على صناعة الصورة، واحتضان الخيال، وتحويل الجغرافيا إلى أسطورة.

وبينما ينتهي الفيلم بانتهاء الرحلة، تبقى صورة المغرب عالقة في ذاكرة المشاهد، وربما يبدأ بعد ذلك فصل آخر من الحكاية: رحلة آلاف السياح من صالات السينما العالمية إلى آيت بن حدو والصويرة والداخلة، بحثاً عن الأماكن التي جعلت من «الأوديسة» أكثر من مجرد فيلم، وجعلت من المغرب أحد أبطاله الذين لم ينطقوا بكلمة واحدة، لكنهم تحدثوا بلغة الصورة.

22/07/2026

مقالات خاصة

Related Posts