تناول محمد المهدي اقرابش، الأكاديمي وعضو منتدى الإسلام بفرنسا ونائب أمين المجلس الوطني للإرشاد الإسلامي بفرنسا، طبيعة العلاقة الحساسة بين الدولة الفرنسية والإسلام والمسلمين، مستحضرا جذور العلمانية الفرنسية وتطوراتها التاريخية. وأوضح، في تصريح لـكواليس الريف، أن فهم هذه العلاقة يقتضي العودة إلى نشأة اللائكية التي تبلورت في سياق صراعات دينية دامية بين الكاثوليك والبروتستانت واضطهاد مجموعات دينية مختلفة، قبل أن يكرس قانون 1905 مبادئ حياد الدولة تجاه الأديان، وحرية ممارسة الشعائر، والمساواة بينها، مع عدم تمويلها من المال العام باستثناء حالات محددة، مثل بعض فضاءات السجون والمستشفيات والجيش، فضلا عن استثناءات ذات طابع تاريخي. وأضاف أن غياب تمثيلية حوارية مستقرة بين الدولة والمسلمين حول الشأن الديني، إلى جانب التحولات التي عرفها الوجود الإسلامي في فرنسا، أسهما في تشكيل المشهد الحالي.
وأشار اقرابش إلى أن الوجود الإسلامي تعزز خلال القرن العشرين بمشاركة آلاف الجنود المسلمين في الحربين العالميتين، وهو ما ارتبط بتشييد مسجد باريس الكبير تكريما لتضحياتهم، قبل أن تتوسع الممارسة الإسلامية مع موجات الهجرة العمالية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ثم استقرار الأسر منذ السبعينيات. وأدى غياب مرجعية دينية موحدة وتعدد الأطر الجمعوية إلى صعوبات في تدبير شؤون المساجد والأئمة والأعياد، قبل تأسيس المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية سنة 2003 بمبادرة من وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي، بهدف توفير تمثيلية رسمية للمسلمين أمام الدولة. غير أن المجلس واجه خلافات بين مكوناته ذات المرجعيات الوطنية والأيديولوجية المختلفة، من بينها تكتلات مغربية مرتبطة بالمذهب المالكي والعقيدة الأشعرية وإمارة المؤمنين، ومسجد باريس، وجمعية “CCTMF” التابعة لأنقرة، فضلا عن تأثيرات جماعات مثل فيدرالية “مسلمي فرنسا” وحركة “ملي غوروش” وجماعة “الإيمان والممارسة”. واعتبر المتحدث أن هذه الانقسامات أضعفت القدرة التمثيلية للمجلس، بالتزامن مع تشديد السلطات الفرنسية سياساتها المتعلقة بمواجهة التطرف وتعزيز قيم الجمهورية، خصوصا بعد اغتيال المدرس صامويل باتي عام 2020.
وأوضح الأكاديمي أن هذه التحولات أفضت إلى اعتماد “منتدى الإسلام بفرنسا” (FORIF) سنة 2022، باعتباره منصة للحوار العملي بين السلطات والفاعلين المسلمين، مع الانتقال من نموذج مركزي تقوده هياكل وطنية إلى مقاربة محلية تستند إلى الفاعلين الميدانيين. ويضم المنتدى مجموعات عمل متخصصة تبحث قضايا الأئمة والمرشدين والمقابر الإسلامية وحماية دور العبادة ومواجهة الاعتداءات ضد المسلمين، وترفع توصياتها إلى وزارة الداخلية، فيما أفرزت أشغاله، وفق اقرابش، مبادرات من بينها تأسيس المجلس الوطني للإرشاد الإسلامي (CNAM-France) للمستشفيات والسجون والجيش، وجمعية الدفاع عن المسلمين (ADDAM)، وجمعية (157) لمواكبة المعاملات الإدارية، إلى جانب تنظيم لقاءات إقليمية سنوية تجمع فاعلين مسلمين ومسؤولين إداريين. وفي المقابل، يواجه المنتدى انتقادات تتعلق بطريقة اختيار المشاركين عبر السلطات المحلية بدلا من الانتخابات، وبقاء دوره استشاريا دون سلطة قرار ملزمة. وشدد اقرابش على أن الدولة الفرنسية، بموجب مبدأ العلمانية، لا تتولى إدارة الدين الإسلامي أو تعيين أئمته، بل تركز تدخلاتها على النظام العام وتطبيق القانون، ومراقبة احترام الجمعيات للإطار القانوني، ومنع التحريض على العنف والكراهية، وتنظيم قنوات التواصل الإداري مع مختلف الطوائف الدينية.
23/07/2026