رصد بنك المغرب، في تقريره السنوي برسم السنة المالية 2025، اتساع الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية الإيجابية وبين ما يلمسه المواطنون في حياتهم اليومية، معتبرا أن هذا التباين من أكثر الظواهر الاقتصادية والاجتماعية تعقيدا في المملكة. ورغم تسارع نمو الاقتصاد الوطني إلى 4,9 في المائة، وتراجع التضخم إلى 0,8 في المائة، وارتفاع مداخيل السياحة إلى مستوى قياسي بلغ 138,6 مليار درهم، وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج إلى 122 مليار درهم، فضلا عن بلوغ الأصول الاحتياطية الرسمية 442,9 مليار درهم، فإن هذه النتائج لم تنعكس بالقدر نفسه على القدرة الشرائية للمواطنين. ويعزو البنك المركزي ذلك إلى عوامل بنيوية، في مقدمتها ضعف قدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل كافية، إذ لم تستطع 193 ألف وظيفة جديدة أحدثت سنة 2025 مواكبة دخول 407 آلاف شخص إلى سن العمل، بينما لم يلتحق بسوق الشغل سوى 177 ألفا، ما أبقى معدل البطالة عند 13 في المائة، مع ارتفاعه بشكل أكبر في صفوف النساء والشباب.
وأشار التقرير إلى اختلالات هيكلية أخرى تعمق هذا التباين، موضحا أن أقل من أربعة أشخاص من كل عشرة في سن العمل يشتغلون فعليا، فيما يمارس نحو خُمس العاملين أعمالا موسمية أو عرضية، ويحرم أكثر من ثلثي اليد العاملة من التغطية الصحية المرتبطة بالعمل، إلى جانب وجود قرابة ثلاثة ملايين شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج منظومات التعليم والتكوين وسوق الشغل. كما لفت بنك المغرب إلى استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية واختلال توزيع الثروة، إذ ينفق الخُمس الأكثر يسرا من السكان أكثر من سبعة أضعاف ما ينفقه الخُمس الأقل يسرا، بينما يبلغ متوسط إنفاق سكان المدن نحو ضعف إنفاق نظرائهم في المناطق القروية. واعتبر البنك أن آليات الدعم العمومي لا تزال تفتقر إلى الاستهداف الدقيق، مشيرا إلى أن مخصصات المقاصة، التي تناهز 18 مليار درهم، والامتيازات الضريبية التي تتجاوز 32 مليار درهم، قد يستفيد منها في بعض الحالات الأشخاص الأكثر يسرا.
وفي السياق ذاته، أوضح التقرير أن النمو الاقتصادي ظل يعتمد بدرجة كبيرة على الاستثمار العمومي في البنيات التحتية، الذي ارتفع بنسبة 16,3 في المائة، وهي استثمارات أسهمت في تهيئة البلاد لاستضافة التظاهرات الكبرى، وتوسيع العرض الصحي ودعم جهود إعادة الإعمار، غير أن هذا المحرك مرشح للتباطؤ مستقبلا. ويرى بنك المغرب أن تحقيق نمو مستدام وتحسين ملموس في مستوى عيش المواطنين يتطلبان تعزيز مساهمة القطاع الخاص، وخلق وظائف منتجة ودائمة، وضمان توزيع أكثر عدالة لثمار النمو. وخلص البنك إلى أن التحدي الأساسي لا يتمثل فقط في رفع معدلات النمو، بل في تحويل المؤشرات الاقتصادية الكلية إلى فرص عمل لائقة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، بما يجعل نتائج الأداء الاقتصادي محسوسة بشكل مباشر في الحياة اليومية للمواطنين.
23/07/2026