قبل أن يرسو القارب فوق مياه مارتشيكا، رست قنينات الويسكي والنبيذ على واجهة كورنيش الناظور. فبدلاً من استقبال الزوار بصورة تعكس جمالية البحيرة المصنفة ضمن اتفاقية رامسار، استقبلتهم لوحة إشهارية ضخمة تحمل صور المشروبات الكحولية، معلنة عن مشروع “بار” ومطعم عائم، في مشهد أشعل الجدل وفتح الباب أمام أسئلة حارقة حول هوية المشروع، وطريقة الترخيص له، ومدى انسجامه مع خصوصية هذا الفضاء البيئي والسياحي.
لم يكن أكثر المتابعين يتوقع أن تتحول الواجهة البحرية لمدينة الناظور، التي طالما قُدمت على أنها “أيقونة المتوسط”، إلى منصة إشهارية لمشروع عائم تُسوّقه صور قنينات النبيذ، بعدما جرى تثبيت جدار إعلاني ضخم قبالة فندق ميركور بكورنيش المدينة، يروج لمطعم و”بار” عائم فوق مياه بحيرة مارتشيكا. غير أن الجدل لم يكن حول فكرة المشروع فقط، بل حول الطريقة التي اختارت بها الحملة الإشهارية تقديمه من خلال صور المشروبات الكحولية، في مشهد اعتبره كثيرون مستفزاً لخصوصية المدينة وطابعها المحافظ، خاصة في قلب أحد أبرز الفضاءات السياحية بالإقليم.
فبدلاً من إبراز المؤهلات الطبيعية والسياحية التي تزخر بها مارشيكا، اختارت الحملة الإشهارية أن تجعل “النبيذ فوق المياه” عنواناً بصرياً للمشروع، وكأن صورة البحيرة اختُزلت في قنينات معروضة على لوحات عملاقة تستقبل زوار الكورنيش. مشهد أثار استغراباً واسعاً، وفتح نقاشاً يتجاوز الجانب الأخلاقي إلى أسئلة أكثر حساسية مرتبطة بطريقة ولوج المشروع إلى الملك العمومي.
فالجدل الحقيقي لا يرتبط بالمحتوى الإشهاري فقط، بل بما يرافق المشروع من معطيات متداولة تفيد، بحسب المصادر ذاتها، بأنه لم يمر عبر مسطرة طلبات العروض المعمول بها لاستغلال الملك العمومي البحري، كما لم يُعلن عنه ضمن مساطر تنافسية تضمن تكافؤ الفرص بين المستثمرين. وأمام هذه المعطيات هذه المعطيات، فإنها تطرح علامات استفهام حول المسار الإداري والقانوني الذي مكّن المشروع من الوصول إلى هذه المرحلة، والجهات التي منحت التراخيص، والأساس الذي استندت إليه.
وتفيد مصادر متطابقة بأن منصة الرسو والإقلاع الخاصة بالمشروع ستقام على مستوى كورنيش الناظور بدل مينائي شعالة وسيدي علي، وهي منطقة ذات حساسية خاصة، ما يضاعف التساؤلات حول مدى احترام الضوابط القانونية والتنظيمية المؤطرة لاستغلال هذا الفضاء العمومي، بعيداً عن أي استثناءات قد تمس بمبدأ الشفافية. كما يطرح ذلك سؤالاً آخر: هل سيُسمح لهذا المطعم العائم، الذي يقدم المشروبات الكحولية، بالإبحار ليلاً داخل بحيرة تخضع، بحسب النظام الجاري به العمل، لقيود على الملاحة بعد غروب الشمس؟ أم أن المشروع سيخضع للقواعد نفسها المطبقة على الجميع؟
وتضيف المصادر ذاتها أن المشروع يعود، بحسب المعطيات المتداولة، إلى ابن نقيب سابق للشرفاء. وإذا كان الانتماء العائلي لا يشكل في حد ذاته أي مخالفة، فإن الرأي العام من حقه معرفة ما إذا كانت جميع الإجراءات قد تمت وفق المساطر القانونية نفسها، أم أن بعض المشاريع تجد طريقها إلى الواجهة البحرية عبر “مسارات مختصرة” لا تتوفر بالسهولة نفسها للجميع.
واليوم، لم يعد السؤال فقط: هل سيُفتتح البار العائم؟ بل أصبح: كيف وصل إلى هذه المرحلة؟ وهل خضع للمسطرة نفسها التي يخضع لها باقي المستثمرين؟ أم أن مارشيكا أصبحت فضاءً تُطرح فيه أسئلة حول تكافؤ الفرص والشفافية؟ أسئلة تنتظر أجوبة واضحة من الجهات المعنية، لأن حماية الملك العمومي ليست شعاراً ظرفياً، بل مبدأ يفترض أن يسري على الجميع.
ويبقى الملف البيئي الحلقة الأكثر إثارة للقلق. فإذا كان المشروع سيضم مرافق صحية ومطبخاً وخدمات فوق منصة عائمة، فمن حق الرأي العام أن يتساءل: أين هي الدراسة البيئية؟ وكيف ستتم معالجة المياه العادمة ومخلفات الصرف الصحي؟ وهل توجد محطة مخصصة لتفريغ هذه المخلفات، أم أن البحيرة ستكون الوجهة النهائية لكل ما ينتجه المشروع من نفايات سائلة؟ وهي تساؤلات ترتبط بشكل مباشر بحماية المنظومة البيئية والثروة السمكية التي تشتهر بها مارشيكا. كما تبرز أسئلة أخرى بشأن شروط السلامة البحرية، ومدى مطابقة القارب للمعايير التقنية، وقدرته على ضمان سلامة الركاب في مختلف ظروف الاستغلال.
والأكثر إثارة للمفارقة أن الوكالة المكلفة بتهيئة موقع مارتشيكا، التي طالما رفعت شعار “حماية البحيرة” و”الحفاظ على النظام البيئي”، وفرضت قيوداً صارمة على الساكنة والمستثمرين بدعوى احترام منظومة بيئية مصنفة ضمن اتفاقية رامسار، تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي لمصداقية هذا الخطاب. فهل ما زالت القواعد تُطبق على الجميع بالصرامة نفسها؟ أم أن بحيرة مارشيكا أصبحت تعرف نوعين من المقاييس: تشدداً كبيراً عندما يتعلق الأمر بالمواطن والمستثمر الصغير، ومرونة أكبر عندما يتعلق الأمر بمشاريع بعينها؟ وهل أصبحت حماية البيئة تُقاس بحجم المشروع وصاحبه، بدل حجم تأثيره على البحيرة؟
إن بحيرة مارتشيكا ليست ملكاً خاصاً، ولا ينبغي أن تتحول إلى فضاء لاختبار الاستثناءات أو تفصيل القواعد على المقاس. وإذا كانت الوكالة قد طالبت الجميع باحترام أدق تفاصيل دفاتر التحملات، فإن الرأي العام ينتظر اليوم جواباً واضحاً عن السؤال الأهم: هل خضع هذا المشروع للمسطرة نفسها التي يخضع لها غيره، أم أن شعار “حماية مارشيكا” يتوقف عند أول بار عائم يرسو فوق مياهها؟
