في وقت تواصل فيه حرائق الغابات اجتياح عدد من دول حوض البحر الأبيض المتوسط، يبرز المغرب كنموذج في تعزيز قدراته على الحد من الخسائر، بعدما نجح في تقليص المساحات المتضررة من النيران، رغم ارتفاع عدد الحرائق المسجلة خلال السنة الجارية، بفضل استراتيجية تقوم على الرصد المبكر والتدخل السريع، مدعومة بأسطول متخصص من طائرات “كنادير”.
ووفق معطيات الوكالة الوطنية للمياه والغابات، سجل المغرب منذ بداية سنة 2026 وإلى غاية 20 يوليوز حوالي 310 حرائق غابوية، بزيادة تناهز 32 في المائة مقارنة بالمعدل السنوي السابق، غير أن المساحات التي أتت عليها النيران تراجعت بنحو 30 في المائة، من 2660 هكتارًا إلى حوالي 1850 هكتارًا، وهو ما يعكس فعالية منظومة الوقاية والتدخل التي اعتمدتها المملكة خلال السنوات الأخيرة.
وبلغت المساحات المتضررة 832 هكتارًا من الغابات الشجرية و1018 هكتارًا من الغطاء النباتي الثانوي والأعشاب، وهي أرقام اعتبرتها تقارير إعلامية إسبانية دليلاً على نجاح المغرب في الحد من آثار الحرائق، رغم الظروف المناخية الصعبة التي تشهدها المنطقة.
ويعتمد المغرب على ثماني طائرات متخصصة من طراز “كنادير”، القادرة على التحليق على ارتفاعات منخفضة والتزود بالمياه في وقت قياسي، ما يتيح لها التدخل السريع في المناطق الجبلية والغابوية الوعرة. وتعد هذه الطائرات من أكثر الوسائل فعالية في مكافحة حرائق الغابات، إذ تستخدمها أيضًا دول مثل إسبانيا، التي تمتلك 14 طائرة، وفرنسا التي تتوفر على 12 طائرة.
وفي المقابل، سلطت الصحافة الإسبانية الضوء على الفارق الكبير بين المغرب والجزائر في مجال مكافحة الحرائق، مشيرة إلى أن الجزائر، رغم امتلاكها ثاني أكبر مساحة غابوية في المنطقة بعد المغرب، لا تتوفر سوى على طائرتين روسيتين من طراز “بيرييف Be-200″، في وقت لا تزال فيه حرائق الغابات تشكل تحديًا متكررًا كل صيف.
كما أعادت التقارير التذكير بصيف سنة 2021، عندما اجتاحت حرائق مدمرة الجزائر، مخلفة عشرات الآلاف من الهكتارات المحروقة و90 قتيلًا، بينهم 33 عسكريًا، وهي الكارثة التي دفعت السلطات الجزائرية إلى الإعلان عن تعزيز أسطولها الجوي المخصص لمكافحة الحرائق، غير أن ذلك لم يترجم، وفق المصادر ذاتها، إلى امتلاك أسطول مماثل لما تتوفر عليه دول الجوار.
وأضافت التقارير أن الجزائر ظلت، لسنوات، تعتمد على استئجار طائرات أجنبية خلال موسم الحرائق، وهو خيار وصفته بالمكلف ومحدود النجاعة، خاصة أن كلفة الاستئجار خلال موسم واحد قد تقترب من ثمن اقتناء الطائرات بشكل دائم.
وفي السياق ذاته، استحضرت الصحيفة الإسبانية المبادرة التي أطلقتها المملكة المغربية خلال حرائق صيف 2021، حين عرضت رسميًا إرسال طائرات “كنادير” للمساهمة في إخماد النيران بالجزائر، في خطوة إنسانية كان من شأنها، بحسب المصدر، الحد من حجم الكارثة، إلا أن السلطات الجزائرية رفضت العرض، قبل أن تتجه العلاقات بين البلدين لاحقًا نحو مزيد من التوتر والقطيعة الدبلوماسية.
وتؤكد المؤشرات الحالية أن الاستثمار المغربي في أسطول الإطفاء الجوي، إلى جانب تطوير منظومة الإنذار المبكر والتدخل السريع، مكّن المملكة من تقليص الخسائر الغابوية رغم تزايد عدد الحرائق، في تجربة تبرز أهمية الاستعداد المسبق والاعتماد على وسائل متخصصة لمواجهة تداعيات التغيرات المناخية وحرائق الصيف المتكررة.
وبينما تلتهم ألسنة اللهب آلاف الهكتارات كل صيف في حوض البحر الأبيض المتوسط، تبدو الأرقام أبلغ من أي خطاب سياسي؛ فالمغرب يواجه النيران بأسطول جوي متطور واستراتيجية استباقية تقلص الخسائر عامًا بعد عام، فيما لا تزال دول أخرى تؤدي ثمن التأخر في الاستثمار والاعتماد على الحلول المؤقتة. وفي معركة لا تعترف بالشعارات ولا بالمواقف، يبقى الحسم في السماء، حيث تصنع سرعة التدخل وعدد الطائرات الفارق بين غابة تُنقذ وأخرى تتحول إلى رماد.
25/07/2026