تواجه رقمنة الخدمات العمومية بالمغرب تحدياً يتمثل في اتساع الفارق بين ارتفاع عدد الخدمات المتاحة رقمياً ومحدودية استخدامها ونضجها الفعلي، ما يطرح الحاجة إلى الانتقال من منطق توفير الخدمة إلى قياس أثرها وبناء مواطنة رقمية تعزز ثقة المرتفقين. وقال الأكاديمي والباحث سليمان العمراني، في إفادات لـ“كواليس الريف”، إن عدد الخدمات العمومية التي جرى رقمنتها بلغ إلى غاية دجنبر 2024 نحو 766 خدمة بمستويات مختلفة، غير أن الخدمات المرقمنة بالكامل لا تتجاوز 23 في المائة. وأشار إلى أن محدودية الإقبال ترتبط أيضاً بضعف معرفة المواطنين بالخدمات المتاحة، إلى جانب عوامل أخرى، منها نقص الثقة والأمان الرقمي، وضعف الثقافة الرقمية، وصعوبات الولوج إلى الإنترنت والتجهيزات، فضلاً عن التهديدات السيبرانية، وهي إكراهات تختلف بحسب الفئات والمناطق.
ويرى العمراني أن تجاوز هذه الفجوة يقتضي اعتماد منهجية واضحة لقياس أثر السياسات والخدمات الرقمية، بدءاً من مرحلة تصميمها، معتبراً أن التردد في ربط المبادرات والتشريعات بدراسات تقيس نتائجها الفعلية يحد من فعالية التدبير العمومي. ويشدد الباحث على ضرورة إحداث تحولات في الوعي داخل المرافق العمومية، وفي طرق التخطيط، والعلاقة مع المرتفقين، والاستفادة من التجارب الدولية، موضحاً أن الموارد البشرية مطالبة بالانتقال من التركيز على الأنشطة والمخرجات إلى تقييم النتائج والأثر الفعلي. كما يدعو إلى إدماج قياس الأثر في صميم السياسات الرقمية، واعتماد الجودة والتواصل لتعزيز الثقة، وتطوير علاقة تشاركية مع المواطنين باعتبارهم شركاء في الخدمة العمومية وليسوا مجرد مستهلكين لها.
ويعتبر الباحث أن قياس أثر الرقمنة ينبغي أن ينطلق من مؤشرات ملموسة، في مقدمتها مدى مساهمة الخدمات الرقمية في تقليص الكلفة والجهد، سواء بالنسبة إلى الإدارة أو المواطنين، من خلال تخفيف التنقل وتقليص الوقت والمصاريف والجهد النفسي، فضلاً عن توجيه الموارد العمومية نحو مجالات أخرى. كما يشمل الأثر المنتظر بناء المواطنة الرقمية وترسيخ الثقة والرضا عن المرفق العام، وهو ما يتطلب اعتماد أدوات للبحث والاستقصاء لقياس تجربة المواطنين. ويؤكد العمراني كذلك أهمية رصد مستوى استعمال الخدمات الرقمية، عبر تحديد عدد المستخدمين ونسبتهم من مجموع الفئات المستهدفة، باعتبار ذلك مؤشراً أساسياً على مدى نجاح الخدمة في إحداث أثر فعلي في حياة المواطنين.
28/07/2026