أثار تقرير نشرته صحيفة ( ذي أوبجكتيف ) الإسبانية جدلاً واسعاً بعد محاولته تفسير موجة الاقتحامات والعبور الجماعي نحو مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين عبر فرضية سياسية تربط الأحداث بشخصيات ودوائر داخل الدولة المغربية، دون تقديم أدلة ملموسة أو وثائق تثبت صحة هذه الادعاءات.
التقرير، الذي اعتمد بشكل أساسي على ما وصفه بـ“مصادر مغربية في قرنسا” دون الكشف عن هويتها، حاول تقديم رواية تقوم على وجود مخطط سياسي خفي، ووضع اسم فؤاد عالي الهمة، مستشار الملك محمد السادس، في قلب هذه الفرضية، باعتباره شخصية وازنة داخل المشهد السياسي المغربي.
غير أن ما يلفت الانتباه في هذه الرواية هو الفارق الكبير بين طرح أسئلة حول أحداث معقدة، وبين توجيه اتهامات مباشرة لشخصيات عمومية معروفة دون تقديم أي دليل أو معطى موثق. فالحديث عن مسؤولية فرد أو جهة عن أزمة حدودية بهذا الحجم لا يمكن أن يستند إلى تحليلات أو مصادر مجهولة فقط، بل يحتاج إلى تحقيقات دقيقة وأدلة قابلة للتحقق.
إن فؤاد عالي الهمة، باعتباره أحد أبرز المسؤولين الذين اشتغلوا في مواقع حساسة داخل الدولة المغربية، يعد من الشخصيات المعروفة بحضورها في الحياة السياسية، لكن تحويل هذا الحضور إلى اتهام بالوقوف خلف أزمة أمنية وإنسانية كبرى يظل مجرد ادعاء يراد منه باطل .
فالنفوذ السياسي أو القرب من دوائر القرار لا يعني بالضرورة المسؤولية عن كل حدث يقع داخل البلاد أو خارجها، كما أن اختزال عمل مؤسسات الدولة في شخص واحد يتجاهل طبيعة النظام المؤسساتي الذي يضم أجهزة متعددة ومصالح مختلفة تعمل وفق اختصاصات محددة.
ويبدو أن التقرير الإسباني اختار الطريق الأسهل في تفسير أزمة معقدة، عبر البحث عن “فاعل خفي” بدل الغوص في الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ظواهر الهجرة الجماعية والتحركات الحدودية، وهي أسباب تتداخل فيها عوامل اجتماعية واقتصادية ونفسية، إضافة إلى تأثير شبكات التواصل الاجتماعي التي أصبحت قادرة على خلق موجات تعبئة واسعة خلال وقت قياسي.
ومن المؤكد أن الأحداث التي شهدتها سبتة ومليلية تستحق التحقيق والدراسة، خصوصاً فيما يتعلق بكيفية انتقال أعداد كبيرة من الأشخاص نحو المناطق الحدودية، ومدى تأثير الدعوات المنتشرة عبر الإنترنت، ودور شبكات الهجرة غير النظامية، إضافة إلى فعالية آليات المراقبة والتنسيق الأمني.
لكن تحويل هذه التساؤلات المشروعة إلى اتهامات سياسية جاهزة، وربطها بشخصيات وطنية دون أدلة، يطرح بدوره علامات استفهام حول منهجية بعض التقارير التي تفضل الإثارة على التحقيق.
كما أن محاولة تفسير الأزمة باعتبارها مجرد صراع داخلي بين أحزاب أو تيارات سياسية لا تبدو كافية لفهم واقع أكثر تعقيداً. فالهجرة والضغط على الحدود ظاهرتان تتجاوزان الحسابات الانتخابية الضيقة، وترتبطان بتحولات اجتماعية عميقة وتحديات تواجه العديد من الدول.
إن الصحافة المهنية تقوم على تقديم المعلومات والتحقق منها، وليس بناء قصص كاملة انطلاقاً من مصادر مجهولة أو فرضيات غير مثبتة. فالاتهام، خصوصاً عندما يتعلق برجال دولة ومسؤولين عموميين، ليس مادة للتحليل السياسي فقط، بل مسؤولية أخلاقية وقانونية تتطلب أعلى درجات الدقة.
وتحتاج أزمة سبتة ومليلية إلى نقاش جدي حول أسبابها الحقيقية، مع ضرورة خروج المحتل من المدينتين ، بعيداً عن نظريات المؤامرة والروايات التي تبحث عن “العقل المدبر” قبل أن تقدم الدليل.
فالسؤال الأهم ليس من نسج رواية مثيرة للاستهلاك الإعلامي، وإنما كيف يمكن فهم الظروف التي دفعت آلاف الأشخاص إلى البحث عن مستقبل خلف الحدود، وما هي الحلول التي يمكن أن تمنح الشباب فرصاً داخل وطنهم بدل المخاطرة بحياتهم في محاولات عبور محفوفة بالمخاطر.
أما اختزال كل هذه التعقيدات في اتهام شخص أو جهة دون دليل، فهو لا يخدم الحقيقة بقدر ما يخدم صناعة الإثارة.
02/08/2026