kawalisrif@hotmail.com

يائير نتنياهو يهدي إسبانيا «خريطة الإحراج».. سخر من العرب ففضح سبتة ومليلية، وإسرائيل تردّ الدين لإسبانيا!

يائير نتنياهو يهدي إسبانيا «خريطة الإحراج».. سخر من العرب ففضح سبتة ومليلية، وإسرائيل تردّ الدين لإسبانيا!

في واحدة من أكثر المفارقات السياسية إثارة، عاد اسم يائير نتنياهو، نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى الواجهة من بوابة سبتة ومليلية، بعدما أعادت وسائل إعلام تسليط الضوء على منشوراته القديمة التي وضعت الثغرين المحتلين والمواقع المغربية الأخرى الخاضعة للسيطرة الإسبانية في قلب سجال سياسي لم يكن موجهاً أساساً إلى إسبانيا. والأكثر إثارة أن الموضوع لم يبقَ محصوراً في الإعلام الإسباني، بل حظي أيضاً بتناول في الإعلام الإسرائيلي، لتتحول تغريدة ساخرة عمرها سنوات إلى ما يشبه «قنبلة سياسية مؤجلة»، تعود إلى الواجهة كلما تجدد النقاش حول علاقة المغرب بإسبانيا، وكأن إسرائيل قررت، ولو من بوابة السخرية، أن تردّ الدين لإسبانيا على مواقفها السياسية من القضية الفلسطينية.

القصة تعود إلى عام 2019، عندما خاطب يائير نتنياهو العرب والمسلمين بلهجة ساخرة، متسائلاً عما إذا كانوا يريدون «تحرير الأراضي العربية والإسلامية المحتلة»، قبل أن يرفق كلامه بخريطة تبرز سبتة ومليلية ومواقع أخرى في شمال إفريقيا خاضعة للسيطرة الإسبانية، ويصفها بأنها «بداية جيدة». ولم يكن الرجل، على ما يبدو، يقدم درساً في الجغرافيا بقدر ما كان يوجه رسالة سياسية ساخرة إلى العرب والمسلمين بسبب انتقاداتهم لإسرائيل، وفي الوقت نفسه يلمّح إلى إسبانيا ومواقفها من القضية الفلسطينية، قبل أن تتحول تلك السخرية، مع مرور السنوات، إلى ورقة يمكن قراءتها اليوم من زاوية مختلفة تماماً.

لكن السخرية التي أراد يائير نتنياهو استخدامها ضد العرب انقلبت، بمرور الوقت، إلى سؤال محرج لإسبانيا نفسها: لماذا يمكن وضع سبتة ومليلية على خريطة «الأراضي المحتلة» في منشور ساخر عندما يريد سياسي إسرائيلي توجيه رسالة، بينما يصبح مجرد التذكير بالموقف المغربي من الثغرين وكأنه تجاوز لخط أحمر سياسي؟ وهنا تحديداً تظهر المفارقة التي تجعل الخريطة أكثر إحراجاً لمدريد من صاحبها؛ فمجرد ظهور الثغرين داخل خطاب سياسي إسرائيلي أعاد تذكير المتابعين بأن القضية ليست منتهية في الذاكرة والموقف المغربي، حتى لو كانت إسبانيا تتعامل معها باعتبارها قضية محسومة من جانبها.

ومن الزاوية المغربية، تبدو الحكاية أكثر إثارة. فالمغرب لا يحتاج إلى استعارة خريطة يائير نتنياهو لكي يثبت أن سبتة ومليلية حاضرتان في أجندته الوطنية؛ فالموقف المغربي من المدينتين معروف، والملف ظل حاضراً في العلاقات المغربية الإسبانية رغم التحولات الكبيرة التي عرفتها هذه العلاقات. لذلك فإن المفارقة ليست في أن نجل نتنياهو «اكتشف» سبتة ومليلية، بل في أنه، وهو يحاول السخرية من العرب، أعاد وضع مناطق يعتبرها المغرب جزءاً من ترابه الوطني أمام الرأي العام، ومنح القضية مساحة جديدة للنقاش خارج حدود الخطاب المغربي التقليدي.

ولم تتوقف القصة عند الخريطة، إذ دخلت شخصيات إسبانية على خط السجال، بعدما اعتبر سياسيون إسبان تصريحات يائير نتنياهو استفزازية، وردّ عليه زعيم حزب «فوكس» آنذاك، سانتياغو أباسكال، ليتحول النقاش سريعاً إلى مواجهة سياسية حول التاريخ والسيادة والقضية الفلسطينية. وهكذا وجد نجل رئيس الوزراء الإسرائيلي نفسه وسط معركة لم تكن في حساباته: إسرائيل وفلسطين من جهة، وإسبانيا وسبتة ومليلية من جهة أخرى، والمغرب حاضر في الخلفية باعتباره الطرف الذي ترتبط به القضية ترابياً وتاريخياً وسياسياً.

والأكثر طرافة أن يائير نتنياهو لم يكتفِ بالإشارة إلى سبتة ومليلية، بل واصل سجاله مع الإسبان، مستحضراً بدوره مسألة التاريخ والهوية والأرض، ومتسائلاً عن شعور الإسرائيليين لو طالبتهم دول أخرى بالتخلي عن أراضٍ يعتبرونها جزءاً من تاريخهم. وهنا تحديداً يمكن للمغرب أن يرد بالسؤال نفسه، ولكن من زاوية مختلفة: إذا كان من حق الآخرين استحضار التاريخ والهوية والذاكرة للدفاع عن مطالبهم الترابية، فلماذا يُطلب من المغرب أن يضع ملف سبتة ومليلية في درج مغلق، وألا يتحدث عنه إلا عندما تسمح مدريد بذلك؟

المفارقة الكبرى أن إسرائيل نفسها تعرف جيداً حساسية ملفات الأرض والسيادة والحدود، ولذلك فإن استخدام هذه الملفات كسلاح في السجالات السياسية قد يتحول بسهولة إلى سيف ذي حدين. فحين يقول يائير نتنياهو للعرب والمسلمين «ابدؤوا من هنا»، فهو لا يوجههم فقط نحو خريطة أراد استخدامها للسخرية، بل يفتح، من حيث لا يدري، باباً لسؤال آخر أكثر إزعاجاً: إذا كانت قضية الأراضي المحتلة تصلح للمقارنة السياسية، فلماذا لا تُناقش قضية سبتة ومليلية أيضاً باعتبارها قضية ترابية مغربية لها روايتها التاريخية ومطالبها الوطنية؟

وبالنسبة إلى إسبانيا، فإن المشكلة لا تختفي بمجرد تجاهلها. فسبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين على الضفة الجنوبية للمتوسط في الخطاب المغربي، بل هما جزء من ملف ترابي وسياسي شديد الحساسية، يرتبط بتاريخ طويل من التوتر والتفاوض والتعايش والمصالح المشتركة. والمغرب، وهو يطور علاقاته الاقتصادية والأمنية والسياسية مع مدريد، لم يتخلَّ عن موقفه من الثغرين، بل إن تطور العلاقات الاستراتيجية بين البلدين يمكن أن يتعايش مع استمرار طرح الملفات التي يعتبرها كل طرف جزءاً من مصالحه الوطنية، وفي مقدمتها بالنسبة إلى المغرب قضية وحدته الترابية.

ولهذا فإن الخريطة التي نشرها يائير نتنياهو قبل سنوات قد تكون، من منظور ساخر، واحدة من أكثر «الهدايا» السياسية إزعاجاً لإسبانيا. فقد أراد صاحبها أن يقول للعرب: «انظروا إلى هذه الأراضي»، لكن المغاربة يستطيعون ببساطة أن يجيبوه: «نعرفها جيداً، وهي موجودة على خريطتنا قبل أن تظهر على حسابك». أما الإسبان، فقد وجدوا أنفسهم أمام منشور يعيد تذكيرهم بأن سبتة ومليلية ليستا مجرد نقطتين بعيدتين على الخريطة، بل ملفاً سياسياً حاضراً في الذاكرة الوطنية المغربية، مهما حاول البعض إخفاءه خلف المصطلحات الإدارية والسياسية.

وفي النهاية، ربما يكون يائير نتنياهو قد أخطأ في تقدير اتجاه السخرية. أراد أن يحرج العرب بخريطة، فإذا بالخريطة نفسها تعيد طرح سؤال محرج على إسبانيا؛ أراد أن يقول «هذه بداية جيدة»، فإذا بالمغاربة يستطيعون تحويل العبارة إلى رسالة سياسية معاكسة: نعم، إنها «بداية جيدة»، ولكن ليس لتحويل الأنظار عن فلسطين أو السخرية من العرب، بل لتذكير الجميع بأن في شمال المغرب ملفاً ترابياً عمره عقود، وأن سبتة ومليلية لا تختفيان من الذاكرة الوطنية المغربية مهما طال الزمن. وربما لهذا السبب تحديداً تبدو الخريطة القديمة اليوم أكثر إحراجاً لمدريد: فمن أراد أن يرسم للعرب طريقاً نحو الأراضي المحتلة، انتهى به الأمر إلى رسم الطريق بنفسه نحو سبتة ومليلية، ومن أراد إحراج المغرب، ترك لإسبانيا خريطة لا تعرف كيف تطويها.

02/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts