لم يكن إغلاق معبر باب مليلية مجرد إجراء أمني عابر، بل تحوّل خلال الأيام الأخيرة إلى حلقة جديدة في مسلسل الارتباك الذي عاشه آلاف المسافرين على جانبي الحدود، بعدما وجد العابرون، خصوصاً مغاربة العالم، أنفسهم أمام وضع استثنائي فرض تغيير مسارات الرحلات وإعادة توجيه مئات المركبات نحو موانئ أخرى، في وقت كان فيه موسم عملية مرحبا في ذروته.
وبحسب ما أوردته مصادر مسؤولة، فقد بدأت الحركة في معبر باب مليلية تستعيد تدريجياً نسقها، بعد الإغلاق الذي أعقب محاولتي دخول جماعيتين إلى مليلية يومي الخميس والجمعة الماضيين، وما رافقهما من انتشار أمني مكثف واستخدام وسائل مكافحة الشغب والرصاص المطاطي.
ورغم إعادة فتح المعبر بشكل تدريجي، فإن آثار الإغلاق لم تنته بمجرد إزاحة الحواجز. فقد جرى، وفق المصادر ذاتها، تحويل نحو 300 سيارة إلى موانئ أخرى تفادياً لتوجهها إلى مليلية خلال فترة الإغلاق، وهو ما يعكس حجم الارتباك الذي خلفته الأزمة بالنسبة للمسافرين، خصوصاً أولئك القادمين ضمن عملية مرحبا.
ولم تقتصر تداعيات الإغلاق على المسافرين القادمين من أوروبا، بل امتدت أيضاً إلى المغاربة القاطنين بمليلية، الذين وجد عدد منهم أنفسهم عالقين داخل المدينة وغير قادرين على الخروج بمركباتهم نحو باقي التراب الوطني عبر معبر بني أنصار، بسبب استمرار القيود المفروضة على حركة العبور.
وظل هؤلاء ينتظرون انفراج الوضع واستعادة الحركة لطبيعتها، خصوصاً أن مغادرة المدينة نحو الناظور وباقي المدن المغربية ترتبط بالنسبة للكثير منهم بحاجيات عائلية وتجارية وتنقلات اعتيادية. ولم تبدأ الأمور في العودة إلى مسارها تدريجياً إلا عشية الأحد، عقب مغادرة آخر سيارة قادمة من أوروبا ضمن حركة العبور، بالتزامن مع استئناف الحركة البحرية وعودة الرحلات إلى ميناء مليلية.
والأكثر دلالة أن تداعيات الأزمة امتدت إلى البحر، إذ شهد ميناء مليلية المحتلة، ليلة الجمعة، لحظات من التوتر بعدما رفض بعض المسافرين من أفراد الجالية المغربية القادمين من مالقة النزول من الباخرة، وطالبوا بتمكينهم من مواصلة رحلتهم نحو ميناء بني أنصار، في مشهد يكشف حجم الضغط الذي يمكن أن يفرضه أي اضطراب في المعبر الحدودي على حركة التنقل بين الضفتين.
ولم يكن المشهد في اليوم الموالي أقل دلالة؛ إذ وصلت باخرة قادمة من موتريل إلى ميناء مليلية وعلى متنها حوالي 20 سيارة فقط، جميعها تقريباً تعود لسكان الثغر المحتل، في رقم استثنائي بالنظر إلى أن الأمر يتعلق بفترة عملية مرحبا التي تعرف عادة حركة كثيفة للمسافرين والمركبات.
أما المسافرون الذين كانوا يعتزمون استخدام ذلك الخط، فقد أُتيحت لهم إمكانية تغيير مسار رحلاتهم والسفر عبر ميناء الجزيرة الخضراء في اتجاه ميناء طنجة المتوسط، بعدما أصبح الوصول إلى مليلية متعذراً خلال فترة إغلاق الحدود.
وهكذا وجد عدد من المسافرين أنفسهم أمام واقع جديد فرض عليهم تغيير خطط السفر في آخر لحظة، والتنقل عبر موانئ أخرى، بعدما كانوا قد قطعوا مسافات طويلة، ووصل بعضهم إلى مرافق ميناء موتريل قبل أن يتلقوا خبر القيود المفروضة على الرحلات المتجهة إلى مليلية.
وفي المقابل، يبرز ميناء بني أنصار بالناظور باعتباره أحد الموانئ التي فرضت نفسها بشكل طبيعي كخيار بديل أمام المسافرين المتضررين من اضطراب حركة معبر بني أنصار. فكلما تعثرت حركة العبور نحو مليلية، أصبح ميناء الناظور منفذاً أكثر منطقية للراغبين في مواصلة رحلتهم نحو باقي التراب الوطني، وهو ما يضع الميناء والمنظومة المينائية ببني أنصار أمام مسؤولية متزايدة خلال ذروة عملية مرحبا.
وفي هذا السياق، فإن إغلاق معبر بني أنصار لا يؤثر فقط على حركة السيارات والأشخاص داخل المعبر، بل تمتد تداعياته إلى شبكة النقل البحري برمتها، من خلال إعادة توزيع المسافرين والمركبات بين الموانئ، وإجبار شركات النقل والمسافرين على تعديل برامجهم ومساراتهم في وقت قياسي.
وتكشف الأرقام المتداولة أن عملية مرحبا سجلت، منذ انطلاقها في 15 يونيو الماضي، عبور أكثر من 1.168 مليون مسافر عبر الموانئ الإسبانية المشاركة في العملية، في حصيلة تؤكد حجم التدفقات البشرية والمركبات التي تعرفها هذه العملية سنوياً، وتجعل أي اضطراب في أحد المعابر الرئيسية قابلاً للتحول سريعاً إلى أزمة لوجستية تتجاوز الحدود الجغرافية للمعبر نفسه.
وتشير الحصيلة الإجمالية لموانئ عملية عبور المضيق إلى تسجيل انخفاض طفيف مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، بنسبة 6.8 في المائة في عدد دورات السفن، و4.1 في المائة في عدد المسافرين، و3.4 في المائة في عدد السيارات.
ومع ذلك، تتوقع وزارة الداخلية الإسبانية أن يشهد موسم 2026 تحطيم رقم قياسي جديد، متجاوزاً الرقم المسجل خلال دورة 2025، عندما عبر إسبانيا نحو 3.5 ملايين مسافر على متن أكثر من 800 ألف مركبة خلال عملية عبور المضيق.
وتبرز هذه الأرقام حجم الرهان اللوجستي المرتبط بعملية مرحبا، خصوصاً أن أي اضطراب في أحد مسارات العبور، سواء عبر المعابر البرية أو الموانئ، يمكن أن ينعكس مباشرة على آلاف الأسر والمركبات التي تتحرك بين أوروبا والمغرب خلال فترة زمنية قصيرة.
ورغم إعلان السلطات الإسبانية أن إعادة فتح معبر بني أنصار تتم بشكل تدريجي مع تعزيز الإجراءات الأمنية، فإن عودة الحركة إلى طبيعتها لا تعني بالضرورة أن آثار الأزمة اختفت. فالمسافر الذي اضطر إلى تغيير مينائه أو تعديل تذكرته أو قطع مسافة إضافية للوصول إلى وجهته، لا تعنيه كثيراً البيانات الرسمية بقدر ما يعنيه أن يصل إلى أرض الوطن في ظروف عادية ودون مفاجآت عند آخر محطة من رحلته.
وبالنسبة للمغرب، فإن هذه التطورات تبرز مرة أخرى الأهمية الاستراتيجية لميناء الناظور والمنظومة المينائية بالمنطقة الشرقية، خصوصاً في فترات الذروة التي تعرف تدفقاً استثنائياً للجالية المغربية المقيمة بالخارج. فكلما تعرض أحد المسارات التقليدية للاضطراب، برزت الحاجة إلى بدائل قادرة على استيعاب الحركة وتخفيف الضغط عن المسافرين.
كما أن ما عاشه المغاربة المقيمون بمليلية خلال فترة الإغلاق يسلط الضوء على حساسية معبر بني أنصار بالنسبة للحياة اليومية والتنقلات العادية، وليس فقط بالنسبة للمسافرين العابرين خلال عملية مرحبا. فتعذر خروج أصحاب السيارات نحو باقي المدن المغربية، ولو لفترة محدودة، يكشف مدى ارتباط الحركة بين جانبي الحدود بالمصالح اليومية للسكان، وبحركة الموانئ والطرق والنقل البحري.
03/08/2026