kawalisrif@hotmail.com

“الملتحي المنافق” … رئيس اتحاد علماء المسلمين يتراجع عن «إسبانية» سبتة .. اكتشف متأخراً أن للرباط ذاكرة لا تُمحى !

“الملتحي المنافق” … رئيس اتحاد علماء المسلمين يتراجع عن «إسبانية» سبتة .. اكتشف متأخراً أن للرباط ذاكرة لا تُمحى !

لم تمر تصريحات علي القره داغي، رئيس ما يسمى “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” ، مرور الكرام في المغرب، بعدما وجد نفسه مضطراً إلى التراجع عن توصيفه لسبتة باعتبارها «الحدود بين إسبانيا وأوروبا»، في تصريح فتح أمامه أبواباً واسعة من الجدل، قبل أن يسارع إلى محاولة احتواء تداعياته ببيان توضيحي.

القضية لم تكن مجرد زلة لسان عابرة، بل لأن هذا الكائن الملتحي اختار، في خضم حديثه عن أزمة الهجرة الأخيرة في سبتة المحتلة، أن يمنح المدينة توصيفاً سياسياً شديد الحساسية، حين تحدث عنها باعتبارها جزءاً من الحدود الإسبانية والأوروبية، وهو ما أثار موجة استياء واسعة في الأوساط المغربية وعلى منصات التواصل الاجتماعي.

والأكثر إثارة أن القره داغي لم يكتف بذلك، بل ذهب في نصه الأول إلى تفسير ما جرى باعتباره نوعاً من «المؤامرة» التي تقف وراءها جهات صهيونية بمساعدة دول إسلامية، كما اعتبر تدفق مغاربة نحو سبتة بمثابة «انتقام» رداً على مواقف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز من القضية الفلسطينية.

لكن يبدو أن صاحب التصريح اكتشف سريعاً أن السياسة ليست درساً نظرياً في قاعة محاضرات، وأن قضية سبتة ومليلية المحتلتين ليست تفصيلاً عابراً يمكن التعامل معه بمنطق العبارات المرتجلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملف يحمل حساسية تاريخية وسياسية عميقة لدى المغاربة.

فبعد موجة الغضب، عاد القره داغي ليقدم رواية جديدة، زاعما أن النص صاغه «فريقه الإعلامي»، وأن الهدف منه كان الإشادة بمواقف سانشيز المؤيدة للقضية الفلسطينية، وليس تقديم موقف رسمي بشأن وضع سبتة، في محاولة واضحة لتطويق الجدل الذي خلفته عبارته الأولى.

وهكذا انتقلت المسؤولية، في لحظة سياسية حرجة، من صاحب التصريح إلى «الفريق الإعلامي»؛ وكأن خرائط السيادة يمكن أن تتغير بسبب خطأ محرر أو سوء تقدير من فريق صحفي، وكأن عبارة واحدة يمكن أن تعيد ترتيب موقف سياسي ظل لعقود ثابتاً في الوعي المغربي.

غير أن التراجع لم يتوقف عند حدود تحميل الفريق الإعلامي مسؤولية الصياغة، إذ حرص القره داغي لاحقاً على التأكيد على موقفه من سبتة ومليلية، معلناً أنه يعتبرهما «أراضي مغربية إسلامية»، في محاولة لإعادة ضبط البوصلة بعد العاصفة التي أثارتها تصريحاته الأولى.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي تجعل القصة أقرب إلى مشهد سياسي عبثي: تصريح أول يمنح سبتة وصفاً ينسجم مع الرواية الإسبانية، ثم بيان لاحق يعيدها إلى خانة «الأراضي المغربية الإسلامية»، وكأن الأمر مجرد زر يمكن الضغط عليه للانتقال من موقف إلى نقيضه!

المغرب، في المقابل، لا يحتاج إلى دروس في تاريخ سبتة ومليلية، ولا إلى شهادات متأخرة من هذا الطرف أو ذاك لتحديد موقفه من المدينتين المحتلتين، فالقضية بالنسبة إلى المغاربة ليست «توصيفاً إعلامياً» ولا مادة قابلة للتعديل بعد النشر، وإنما ملف وطني راسخ في الذاكرة السياسية والشعبية.

ولعل ما حدث مع القره داغي يقدم درساً بسيطاً لكل من يقترب من ملف سبتة ومليلية باستخفاف: هناك قضايا يمكن التراجع عن صياغتها، لكن يصعب التراجع عن وقعها السياسي بعد أن تُقال، خصوصاً في زمن لا تمنح فيه المنصات الرقمية التصريحات فرصة طويلة للاختفاء أو النسيان.

واللافت أيضاً أن محاولة تدارك التصريح جاءت بعد أن أثار غضباً واسعاً في المغرب، ما يجعل السؤال مشروعاً: هل كان الخطأ في الموقف نفسه، أم فقط في تقدير حجم رد الفعل المغربي؟ ففي ملفات بهذه الحساسية، لا تكفي النوايا المعلنة لاحقاً لتجاوز أثر عبارة سياسية قيلت بوضوح وتم تداولها على نطاق واسع.

في النهاية، قد يكون القره داغي قد نجح في تعديل العبارة، لكنه لم ينجح في محوها من الذاكرة الرقمية، فالعالم اليوم لا يمنح التصريحات السياسية فرصة للاختباء طويلاً، وما يُكتب ويُنشر يمكن أن يعود إلى صاحبه في الوقت الذي يظن فيه أن القضية انتهت.

أما سبتة ومليلية، فهما أكبر من بيان توضيحي، وأثقل من أن تختصر قضيتهما في عبارة صاغها فريق إعلامي ثم جرى سحبها بعد اشتعال العاصفة، لأن الموقف المغربي منهما واضح ومستقر، ولا يحتاج إلى ختم من هذا الطرف أو ذاك.

وبين تصريح أول وبيان تراجعي، يبدو أن القره داغي اكتشف متأخراً أن بعض الخرائط لا تُرسم بالحبر، وأن بعض المواقف لا يمكن محوها بمجرد القول: «كان ذلك خطأ الفريق الإعلامي».

03/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts