تستدعي حادثة الهجرة الجماعية المؤسفة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة فتح تحقيق جاد ومسؤول، من أجل الإجابة عن عدد من الأسئلة المرتبطة بالتوقيت، والعوامل التي ساهمت في وقوعها، وتحديد مختلف المسؤوليات المرتبطة بهذه الواقعة التي خلفت تداعيات إنسانية واجتماعية وسياسية.
إن الهجرة ظاهرة إنسانية واجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية عابرة للحدود، وهي موجودة في مختلف المجتمعات منذ القدم. وقد عاينت شخصيا هذه الظاهرة في أوروبا والخليج، كما وقفت عليها خلال زياراتي التي قمت بها سنة 2017 إلى نيو مكسيكو بالولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعاني المنطقة بدورها من إشكالية الهجرة غير النظامية للمكسيكيين نحو الأراضي الأمريكية. فلكل إنسان دوافعه وأسبابه التي تدفعه إلى البحث عن فضاء جديد، أملا في تحسين ظروف عيشه وخوض تجربة حياتية مختلفة.
ولا شك أن الهجرة حق إنساني مشروع، خصوصا في ظل الحروب، والتغيرات المناخية، والأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تعصف بعدد من الدول والمجتمعات نتيجة اختيارات وسياسات لم تحقق دائما تطلعات المواطنين. غير أن تدبير هذه الظاهرة لا يمكن أن يعتمد على المقاربة الأمنية وحدها، بل يقتضي وضع سياسات عمومية شاملة توفر بدائل وحلولا تقوم على المواكبة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، سواء داخل بلدان المنشأ أو في إطار التعاون الدولي.
إن حادثة سبتة المؤسفة، التي خلفت مشاهد مؤلمة وأثرت على صورة المغرب، وأسفرت للأسف عن ضحايا من مختلف الفئات العمرية والاجتماعية، تفرض فتح تحقيق عاجل وشامل لفهم ظروف وملابسات وقوعها، خاصة ما يتعلق بالتوقيت الذي جاءت فيه هذه الأحداث. فكيف يمكن تفسير تزامنها مع احتفالات عيد العرش المجيد؟ إن المنطق يفرض اتخاذ كافة التدابير الاستباقية الكفيلة بتفادي أي أحداث من شأنها تعكير أجواء هذه المناسبة الوطنية وإفساد فرحتها.
كما أن انتشار الأخبار الزائفة والإشاعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبح عاملا شديد الخطورة، إذ تنتشر بسرعة كبيرة وتشبه في تأثيرها انتشار النار في الهشيم، وقد تتحول إلى وسيلة لتأجيج المشاعر وتحريك مجموعات بشرية نحو أهداف غير واضحة. ولا شك أن شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود تستغل مثل هذه الظروف والأزمات الحدودية لتحقيق مصالحها واستغلال هشاشة بعض الفئات.
إن المشاهد المؤلمة التي تابعها الرأي العام تطرح أيضا أسئلة عميقة على الحكومة المغربية، وعلى مختلف الفاعلين السياسيين والمدنيين، خصوصا في ما يتعلق بضعف التواصل مع المواطنين والقدرة على الإنصات إلى انشغالاتهم وانتظاراتهم. فإذا كانت المؤسسات المنتخبة والأحزاب السياسية والمجتمع المدني عاجزة عن الاستجابة لتطلعات المواطنين المشروعة، فإن ذلك يطرح تساؤلات حول جدوى العملية السياسية برمتها، بما فيها الانتخابات والحوار العمومي والتنافس على تدبير الشأن العام.
فالديمقراطية لا تختزل فقط في صناديق الاقتراع وما يرتبط بها من تصويت سري وشامل، وإنما هي أيضا حكامة جيدة، وربط للمسؤولية بالمحاسبة، وقدرة على تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية.
وقد أكد الملك محمد السادس في العديد من خطاباته على ضرورة الالتزام بالجدية والمسؤولية في تدبير الشأن العام، وعلى أهمية تحقيق العدالة المجالية والتوزيع العادل للثروات، من أجل تجاوز واقع مغرب بسرعتين مختلفتين، حيث تستفيد بعض المجالات من فرص التنمية بينما تعاني أخرى من الإقصاء والهشاشة.
وفي المقابل، لا يمكن تفسير ما وقع فقط بمنطق المؤامرة أو الكيد والدسائس، لأن اختزال الأزمة في عوامل خارجية، حتى وإن كانت موجودة، قد يحول دون مواجهة الأسباب الحقيقية والبحث عن حلول عملية لتحسين ظروف حياة المواطنين. فمن يشعر بالضرر أو التهميش له كامل الحق في أن يُنصت إليه، وأن يجد مؤسسات تستجيب لمطالبه وتحفظ كرامته.وبحسب
وعلى المستوى الأوروبي، فقد ساهمت هذه الأزمة المؤسفة في تعميق مخاوف الرأي العام بشأن تداعيات الهجرة غير النظامية، خصوصا في ظل اختلاف المقاربات والسياسات المعتمدة من طرف الدول الأوروبية في التعامل مع هذا الملف.
ومن هنا، فإن الحكومات الأوروبية مطالبة بتوحيد رؤاها وسياساتها في مجال الهجرة، واعتماد مقاربة تعاون حقيقية مع دول المغرب الكبير تقوم على مبدأ رابح-رابح، يكون فيها الإنسان والمواطن في صلب هذا التعاون، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي.
وفي الختام، رحم الله ضحايا هذه الأزمة المؤلمة، وألهم أسرهم وذويهم الصبر والسلوان، وفرّج الله كرب كل من مسّه الضر.
“ولله الأمر من قبل ومن بعد”
سورة الروم، الآية 4.
— ذ : محمد المهدي اقرابش
أكاديمي وعضو منتدى الإسلام بفرنسا
04/08/2026