على بعد نحو 35 كيلومتراً من مدينة الناظور، تقف جماعة حاسي بركان شاهدة على تاريخ طويل من المقاومة والكفاح، باعتبارها واحدة من أقدم الجماعات الترابية بجهة الشرق. فهذه المنطقة، التي ارتبط اسمها بالمقاومة وجيش التحرير، ما تزال تحتضن معالم تاريخية بارزة، من بينها قلعة المقاومة وثكنات عسكرية وقصبات تعود إلى فترة الاستعمار الإسباني، لتبقى شاهداً على مرحلة مفصلية من تاريخ الريف والمغرب.
وتشكل قبيلة بني بويحيي الأمازيغية الأصيلة الأغلبية الساحقة من ساكنة الجماعة، بنحو 95 في المائة إلى جانب عائلات استقرت بها منذ حوالي 80 سنة قادمة من مناطق أخرى بالمملكة للعمل والإحتماء ، وعلى سبيل الذكر بني وكيل وأولاد السيد علي وقلعية وامطاسة ، والذين يشكلون حوالي 6 في المائة من مجموع الساكنة … وهو ما صنع نسيجاً اجتماعياً متنوعاً حافظ، رغم كل التحولات، على قيم التضامن والكرم والتعايش التي عُرفت بها المنطقة عبر الأجيال.
ورغم هذا الرصيد التاريخي والرمزي، يرى عدد من سكان الجماعة أن حاسي يركان تعيش منذ الإستقلال على وقع تراجع تنموي واضح، انعكس على مختلف القطاعات والخدمات الأساسية، حيث لا تزال العديد من الدواوير تعاني من ضعف البنيات التحتية، وخصاص في الإنارة العمومية، وإشكالات مرتبطة بالتزود بالماء الصالح للشرب، إضافة إلى الحاجة لتأهيل المجال العمراني وإيجاد حلول عملية لمشاكل البناء والتوسع العمراني بحاسي المركز .
ويؤكد فاعلون محليون أن الجماعة، التي تتوفر على موقع استراتيجي بمحاذاة الطريق الوطنية الرابطة بين الناظور وعدد من مدن المملكة، لم تستثمر بالشكل المطلوب هذا المؤهل لتحقيق إقلاع اقتصادي وتنموي يمكن أن يحولها إلى قطب جاذب للاستثمار والخدمات.
ومن أبرز المعالم التي يستحضرها سكان حاسي بركان بحسرة، السوق الأسبوعي التاريخي الذي كان ينعقد كل يوم أربعاء، والذي ظل لعقود قبلة للتجار والفلاحين والكسابة القادمين من مختلف مناطق إقليم الناظور والجهة الشرقية. فقد كان السوق يشكل شرياناً اقتصادياً حقيقياً، ومتنفساً تجارياً واجتماعياً، قبل أن يتم نقله إلى موقع آخر، وهو القرار الذي يعتبر عدد من أبناء المنطقة أنه أفقد السوق مكانته التاريخية وأثر بشكل كبير على الحركة التجارية التي كانت تعرفها الجماعة.
كما ارتبط اسم حاسي بركان كذلك بمجزرة تاريخية وسوق للمواشي كانا يعدان من أهم المرافق الاقتصادية بالمنطقة، غير أن هذه المنشآت، بحسب عدد من الفاعلين المحليين، فقدت تدريجياً دورها الحيوي، دون أن يتم تعويضها بمشاريع تنموية قادرة على خلق دينامية اقتصادية جديدة.
وفي المقابل، يوجه عدد من سكان الجماعة انتقادات للمجلس الجماعي الحالي، معتبرين أنه لم ينجح، إلى حدود اليوم، في إطلاق مشاريع كبرى أو استقطاب استثمارات وبرامج تنموية من شأنها تغيير واقع المنطقة، فيما يرون أن الجماعة تحتاج إلى رؤية تنموية واضحة تقوم على تثمين مؤهلاتها التاريخية والجغرافية والاقتصادية.
ولا تتوقف مطالب الساكنة عند حدود البنيات التحتية فقط، بل تشمل أيضاً تحسين جودة التعليم، والرفع من مستوى الخدمات الصحية، وتقوية المرافق الإدارية، وتأهيل مركز الجماعة، وإعادة الاعتبار للفضاءات العمومية والقصبات والثكنة التاريخية التي بدأت تسقط دون أي تدخل من أجل إعادة إصلاحها ، بما ينسجم مع مكانة حاسي بركان وتاريخها.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن حاسي بركان تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لاستعادة مكانتها، سواء بفضل موقعها الجغرافي، أو تاريخها الوطني، أو مؤهلاتها البشرية، غير أن ذلك يظل رهيناً بوضع برامج تنموية واقعية، واستقطاب التمويلات اللازمة، والانفتاح على مشاريع استثمارية قادرة على خلق فرص الشغل وتحسين ظروف عيش الساكنة.
ويبقى الأمل معقوداً لدى أبناء حاسي بركان على أن تستعيد جماعتهم بريقها الذي فقدته عبر السنوات، وأن تتحول من جماعة تزخر بالتاريخ والذاكرة إلى جماعة تصنع المستقبل، حتى لا تبقى قلعة المقاومة وحدها شاهدة على أمجاد الماضي، بينما ينتظر الحاضر والمستقبل مشاريع تنموية تعيد الحياة إلى هذه المنطقة العريقة.
05/08/2026