ثلاثون سنة كاملة، وعقار تابع للأحباس بحي الفطواكي في الناظور يظل في قلب نزاع لم يجد طريقه إلى الحسم. ثلاثون سنة تعاقبت خلالها حكومات ومجالس ومسؤولون، وتغيرت الوجوه والمواقع، بينما بقي سؤال العقار معلقاً في الهواء. واليوم، لم يعد السؤال يُطرح تحت قبة البرلمان، بل انتقل إلى قاعة المحكمة، بعدما لجأت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية إلى القضاء في دعوى استعجالية ضد البرلماني السابق ونائب رئيس مجلس المستشارين سابقاً عن إقليمي الناظور والدريوش، عبد الرحمان أشن، بشأن عقار يقع بحي الفطواكي، غير بعيد عن حي المطار، وهو الحيز العمراني الذي سبق لأشن أن أثار بشأنه، خلال ولاياته البرلمانية السابقة، عدداً من القضايا والأسئلة ذات الصلة بالعقار والتعمير.
وبحسب المعطيات التي تحصلت عليها “كواليس الريف” من الملف، يتعلق الأمر بعقار حبسي يُثار بشأنه أنه ظل في وضعية استغلال أو وضع يد منذ سنة 1997. وإذا كانت هذه المعطيات ستثبتها وثائق الملف والأحكام القضائية، فإن الأمر لا يتعلق بمجرد خلاف عابر حول قطعة أرض، بل بسؤال ثقيل يفرض نفسه بقوة: كيف يمكن لعقار تابع للأحباس أن يظل، لنحو ثلاثة عقود، في طي النسيان، دون أن يجد طريقه إلى القضاء؟ ومن كان يفترض أن يحميه ويتابع وضعيته طوال هذه السنوات .
— هنا تحديداً تبدأ القصة الأكثر إثارة.
فالشخص الذي يوجد اسمه اليوم في واجهة هذا النزاع ليس مجهولاً في الحياة السياسية بالناظور. عبد الرحمان أشن سبق أن شغل منصب نائب رئيس مجلس المستشارين، وكان من الوجوه البرلمانية المعروفة عن إقليمي الناظور والدريوش، كما سبق له أن وجّه، من داخل المؤسسة التشريعية، أسئلة وملاحظات إلى الحكومة ووزارة الداخلية بشأن ملفات العقار والتعمير وتدبير الملكيات.
وهنا تفرض المفارقة نفسها دون حاجة إلى كثير من الشرح: بالأمس كان أشن يسأل الدولة عن العقار، واليوم تجد الدولة، عبر الجهة المشرفة على الأملاك الحبسية، نفسها أمام القضاء في نزاع عقاري يرد اسمه ضمن أطرافه.
— يا لها من مفارقة سياسية ثقيلة!
فالأسئلة التي كانت تُرفع إلى الوزراء بحثاً عن الحقيقة في ملفات العقار، تبدو اليوم وكأنها عادت من الاتجاه المعاكس. لم تعد المسألة مجرد سؤال برلماني ينتظر جواباً حكومياً، بل أصبحت قضية تحمل رقماً في المحكمة وتاريخاً لجلسة قضائية.
والأكثر إثارة أن اسم أشن ارتبط في مراحل سابقة بمواقف ومطالب بفتح تحقيقات بشأن ما كان يُثار حول ملفات العقار والتعمير وشبهات الفساد العقاري بالناظور. واليوم، يجد الرجل نفسه أمام ملف عقاري من طبيعة مختلفة، لكنه يعيد إلى الواجهة السؤال ذاته الذي ظل يتكرر لسنوات: من يحمي العقار؟ ومن يراقب استغلاله؟ ومن يتحمل مسؤولية ترك الملفات العقارية تتراكم حتى تصل إلى أبواب المحاكم؟
أما ملف تجزئة المطار بالناظور، الذي سبق أن كان موضوع أسئلة برلمانية ومطالب بالتحقيق في ما أثير بشأنه من اختلالات وشبهات، فيعود هو الآخر إلى واجهة الذاكرة السياسية، لا باعتباره مرتبطاً قانونياً بالدعوى الحالية، وإنما باعتباره واحداً من الملفات التي جعلت العقار والتعمير في الناظور مادة دائمة للجدل السياسي والبرلماني.
وهنا يمكن طرح السؤال الذي يبدو أن لا أحد يريد الاقتراب منه طويلاً: ماذا حدث لكل تلك الأسئلة؟ أين انتهت المطالب بالتحقيق؟ وما الذي عرفه الرأي العام بشأن الملفات العقارية التي ظلت لسنوات موضوعاً للجدل؟
لأن المشكلة ليست في أن يسأل السياسي عن العقار، بل في أن تتحول الأسئلة نفسها إلى أرشيف، بينما تستمر الملفات في إنتاج أسئلة جديدة.
ثلاثون سنة ليست رقماً بسيطاً. إنها جيل كامل. إنها مجالس منتخبة تعاقبت، وحكومات جاءت وأخرى رحلت، ومسؤولون تبدلت مواقعهم، وقرارات صدرت وأخرى سُحبت، بينما ظل العقار ـ بحسب ما يثار في الدعوى ـ ينتظر أن يُحسم مصيره.
والأكثر سخرية أن الأرض، التي لا تتحدث ولا تصوت ولا ترفع سؤالاً برلمانياً، وصلت في النهاية إلى المكان الذي يمكن أن يتحدث فيه القانون نيابة عنها: المحكمة.
وبطبيعة الحال، فإن إقامة دعوى قضائية لا تعني ثبوت المسؤولية أو الإدانة، كما أن أي حديث عن وضع اليد أو الاستغلال يظل مرتبطاً بما ستثبته وثائق الملف وما ستقرره المحكمة. وهذه نقطة لا ينبغي القفز عليها في أي نقاش جاد حول القضية.
لكن ذلك لا يمنع من طرح الأسئلة المشروعة حول مسار العقار طوال العقود الثلاثة الماضية، وحول الجهات التي كان يفترض بها أن تتولى حمايته وتتبع وضعيته، وحول الأسباب التي جعلت النزاع يستمر كل هذه المدة قبل أن يصل إلى القضاء.
فإذا كانت أملاك الأحباس تحتاج إلى ثلاثة عقود حتى تصل إلى المحكمة، فالسؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من يوجد في مواجهة الدعوى؟ بل أيضاً: أين كانت آليات المراقبة والحماية طوال هذه السنوات؟
ومن المنتظر أن تنظر المحكمة في القضية يوم 12 غشت الجاري، في جلسة قد تشكل محطة مهمة في مسار هذا النزاع، خصوصاً أن مآلها قد يكشف مزيداً من المعطيات حول الوضعية القانونية للعقار، والحقوق التي يتمسك بها كل طرف، وما إذا كانت هناك وقائع تستوجب ترتيب المسؤوليات من عدمه.
وفي انتظار كلمة القضاء، فإن القضية تجاوزت حدود قطعة أرض بحي الفطواكي. إنها تعيد فتح ملف أوسع وأكثر حساسية: العقار بالناظور، الأراضي الحبسية، التعمير، الملكيات، والملفات التي ظلت لسنوات معلقة بين السؤال السياسي والجواب الإداري.
والرسالة الأوضح التي تحملها القضية، بعيداً عن الأشخاص والأسماء، هي أن الملفات العقارية لا تختفي بمجرد أن يتوقف الحديث عنها. قد تصمت الصحافة، وقد يتغير البرلمانيون، وقد تتبدل الحكومات، وقد تُطوى الأسئلة في أرشيف المؤسسات… لكن الأرض تبقى هناك.
ثلاثون سنة من الصمت، ثم دعوى استعجالية.
وفي الناظور، يبدو أن «صندوق العقار» لم يُغلق بعد … بل ربما بدأت المحكمة للتو في فتحه.
06/08/2026