إحدى الفتيات المهاجرات: «أشكر الله لأنني ما زلت عذراء»
تحولت باحة مدرسة رينا صوفيا بحي الأمير في سبتة المحتلة، منذ نحو أسبوعين، إلى مخيم مؤقت يؤوي قرابة 300 فتاة وقاصر مهاجرة، في مشهد يكشف حجم الضغط الذي خلفته موجة الدخول الجماعي إلى المدينة المحتلة نهاية يوليوز الماضي، وسط مخاوف متزايدة بشأن الأمن والنظافة وظروف الإيواء، بينما وجد المتطوعون أنفسهم في واجهة أزمة تتجاوز إمكانيات المبادرات المدنية.
وتنقل صحيفة إسبانية شهادات صادمة لفتيات يعشن داخل هذا الملجأ المؤقت، من بينهن منى النعيم، البالغة من العمر 17 سنة، التي قالت إنها قضت عشرة أيام في الشارع، مختبئة داخل مستودعات بمنطقة تاراخال، خوفاً من تعرضها للاعتداء، قبل أن تجد طريقها إلى المدرسة. وأضافت أنها تشعر بأنها محظوظة لأنها لم تتعرض لأي أذى، في شهادة تعكس حجم الخوف الذي رافق عدداً من الفتيات خلال وجودهن خارج أماكن الإيواء.
وتؤكد الصحيفة أن الحرس المدني الإسباني سجل أكثر من عشرة اعتداءات جنسية في مناطق مختلفة من سبتة المحتلة منذ موجة الدخول الجماعي للمهاجرين في نهاية يوليوز، مشيرة إلى أن آخر الوقائع تمثلت في محاولة الاعتداء على طفلة تبلغ من العمر عشر سنوات بشارع لشبونة، حيث تمكنت السلطات من توقيف أحد الأشخاص الذين قالت إنهم كانوا متورطين في الواقعة.
وفي مدرسة رينا صوفيا، أصبحت إجراءات الحماية تعتمد بشكل أساسي على المتطوعين وسكان حي الأمير، إذ لا يدخل الرجال إلى فضاء الفتيات، باستثناء المتطوعين والعاملين الاجتماعيين. وتقول الصحيفة إن غياب عناصر الشرطة والحرس المدني والعسكريين جعل السكان يتولون بأنفسهم مراقبة محيط المخيم، فيما تحدث أحد المتطوعين عن محاولة أربعة أشخاص ملثمين دخول المكان خلال الليل.
ولا تتوقف المخاوف عند الجانب الأمني، إذ تواجه الفتيات أوضاعاً صحية صعبة داخل المدرسة التي لم تكن مهيأة أصلاً لاستقبال هذا العدد الكبير من الأشخاص. وتقول الصحيفة إن نحو 300 امرأة وقاصر يتقاسمن مرحاضاً متنقلاً واحداً، يتم تنظيفه مرتين في اليوم، غير أن الاستعمال المكثف يجعله يفيض خلال فترات طويلة، فيما بدأت مياه الصرف الصحي تتسرب إلى الفناء الذي تقيم فيه العائلات.
والأكثر إثارة للقلق أن المدرسة لا تتوفر على حمامات للاستحمام، ما دفع عدداً من الفتيات إلى قضاء أكثر من أسبوعين دون الاستحمام، بينما تضطر بعضهن إلى مغادرة المخيم ليلاً والتوجه نحو شاطئ تاراخال أو مرافق أخرى للاغتسال، وهو ما يعرضهن، وفق المتطوعين، لمغادرة المكان الوحيد الذي يشعرن داخله بقدر نسبي من الأمان.
ورغم الظروف الصعبة، يواصل سكان الحي والمتطوعون توفير الطعام والماء للفتيات والأمهات الموجودات داخل المدرسة. وبحسب الصحيفة، يتم إعداد نحو 350 وجبة يومياً، فيما خف الضغط قليلاً بعد نقل حوالي 50 قاصراً خلال الليل إلى مراكز أخرى تشرف عليها منظمات غير حكومية، إلا أن حجم الاحتياجات ما يزال يفوق بكثير إمكانيات المخيم المؤقت.
ومن بين الحالات التي سلطت الصحيفة الضوء عليها قصة سلسبيل، البالغة من العمر 17 سنة، والتي وصلت إلى سبتة المحتلة يوم 30 يوليوز رفقة والدتها. وكانت الفتاة تعيش مع والدتها في المغرب بعد انفصال والديها، وتقول إن الظروف الاقتصادية الصعبة دفعتاها إلى البحث عن مستقبل مختلف، مؤكدة أن حلمها يتمثل في الحصول على عمل وحياة كريمة تمكنها من رعاية والدتها وحمايتها.
أما منى النعيم، البالغة من العمر 17 سنة، فتحمل قصة مختلفة ترتبط بالرياضة، إذ تقدمها الصحيفة باعتبارها حارسة مرمى لعبت في فئات ناديي الرجاء والوداد البيضاويين، وسبق أن ارتدت قميص المنتخب المغربي. وتقول الفتاة إن حلمها هو خوض تجربة احترافية في أوروبا، واضعة اسم الحارس البلجيكي تيبو كورتوا ضمن أبرز قدوتها، وطامحة إلى الوصول مستقبلاً إلى ريال مدريد.
وتقول منى إنها شاهدت عبر تطبيق «تيك توك» معلومات تفيد بفتح الحدود، فقررت العبور بمفردها في حدود 29 يوليوز، أي قبل اندلاع موجة الدخول الجماعي مباشرة. وبعد وصولها، قضت عشرة أيام في الشارع قبل أن تجد مأوى داخل مدرسة رينا صوفيا، حيث وجدت أخيراً مكاناً تشعر داخله بقدر أكبر من الأمان، في انتظار تحديد مصيرها ونقلها إلى مركز ملائم.
وفي قلب هذه الأزمة، يظهر أحمد نفيدال، رئيس جمعية سكان حي الأمير، الذي أصبح أحد أبرز المتطوعين في إدارة المخيم المؤقت. فهو يترجم للفتيات، وينسق توزيع الطعام، ويساعد في مراقبة المكان، ويتدخل عند وقوع حالات توتر أو نوبات هلع، كما يطالب السلطات بتوفير حمامات وموظفين متخصصين، وتسريع نقل الفتيات إلى مراكز إيواء مجهزة.
كما خصص متطوعون ألمان طاولة لشحن الهواتف المحمولة، حتى تتمكن الفتيات من التواصل مع أسرهن وإخبارها بأنهن بخير. وفي مشهد يعكس حجم الاعتماد على المبادرات المدنية، اضطر المتطوعون إلى إصلاح خيام وأغطية مؤقتة بعدما تسببت الرياح في إتلافها، قبل أن يشهد المخيم، وفق الصحيفة، أول مساهمة من الجيش الإسباني بتوفير خيمة مجهزة بعد مرور أكثر من أسبوعين على بداية الأزمة.
وفي الوقت الذي يحاول فيه السكان والمتطوعون سد الفراغ، بدأت السلطات المركزية الإسبانية تتحرك تحت ضغط الأزمة. فقد وصل فريق تابع لوزارة الشباب والطفولة إلى سبتة يوم الأحد 16 غشت للمساعدة في تدبير وضع القاصرين المهاجرين غير المصحوبين، في وقت أعلن فيه وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا أن عدد القاصرين غير المصحوبين الذين تم تحديدهم في المدينة بلغ 1,898 قاصراً .
وتتباين الأرقام الرسمية بشأن حجم الأزمة، إذ كانت وزيرة الشباب والطفولة سيرا ريغو قد تحدثت قبل ذلك عن وجود 1,342 طفلاً داخل منظومة الرعاية، مع إقرارها بوجود حالة من «التجاوز» أو الضغط الكبير على النظام، مؤكدة في الوقت نفسه أن الوضع كان يجري التعامل معه والسيطرة عليه.
وفي موازاة ذلك، تتجه الأنظار إلى الوضع الصحي، بعدما أثارت الكونفدرالية الإسبانية لنقابات الأطباء مخاوف بشأن الظروف الصحية التي يعيشها آلاف المهاجرين في المدينة. ومن المرتقب أن تزور وزيرة الصحة مونيكا غارسيا سبتة للوقوف ميدانياً على الوضع الصحي، وعقد لقاءات مع المسؤولين وممثلي القطاعين الصحي والاجتماعي.
وهكذا تحولت مدرسة رينا صوفيا في سبتة المحتلة من مؤسسة تعليمية إلى ملجأ مؤقت لنحو 300 فتاة، في صورة تختزل ارتباك المدينة أمام تداعيات موجة الهجرة الأخيرة. وبين غياب التجهيزات الأساسية، ومخاوف الاعتداءات، والضغط الصحي، يجد المتطوعون أنفسهم في مواجهة أزمة إنسانية ضخمة، بينما تنتظر الفتيات حلاً مؤسساتياً ينهي إقامتهن المؤقتة ويوفر لهن مكاناً آمناً يحفظ كرامتهن ومستقبلهن.
16/08/2026