kawalisrif@hotmail.com

هرمز يقلب موازين المنطقة … واشنطن تحسم أوراقها مع الرباط والمغرب يتحول إلى شريك أمريكا الذي يصعب الاستغناء عنه

هرمز يقلب موازين المنطقة … واشنطن تحسم أوراقها مع الرباط والمغرب يتحول إلى شريك أمريكا الذي يصعب الاستغناء عنه

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يبرز المغرب بشكل متزايد كأحد أهم الشركاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة، في علاقة تتجاوز الحسابات الدبلوماسية التقليدية لتشمل الأمن والدفاع والتجارة والمواد الاستراتيجية. ووفق قراءة نشرتها صحيفة «20 مينوتوس» الإسبانية، فإن أزمة مضيق هرمز والتوترات المرتبطة بإيران أعادتا تسليط الضوء على أهمية الرباط بالنسبة لواشنطن، بعدما كشفت اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية عن القيمة المتزايدة للموارد والموقع الاستراتيجي اللذين يمتلكهما المغرب.

وترى الصحيفة الإسبانية أن التقارب بين واشنطن والرباط يستند إلى شبكة واسعة من الاتفاقيات العسكرية والتجارية والاستخباراتية، جعلت المغرب شريكاً ذا أولوية بالنسبة للبيت الأبيض في شمال إفريقيا. ولم يعد هذا التعاون مقتصراً على المناورات العسكرية أو مكافحة الإرهاب، بل امتد إلى ملفات اقتصادية وصناعية حساسة، من بينها الفوسفات والأسمدة والاستثمارات الكبرى، في وقت تتغير فيه موازين القوى بالمنطقة بشكل لافت، وهو ما يضع إسبانيا أمام معادلة إقليمية أكثر تعقيداً.

وتكتسب أهمية المغرب زخماً إضافياً في ظل الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بعدما أثرت التوترات في حركة نقل المواد الأولية وأربكت أسواق الطاقة والأسمدة. وتشير المعطيات التي أوردتها الصحيفة إلى أن جزءاً مهماً من تجارة اليوريا والكبريت المنقول بحراً كان يمر عبر هذه المنطقة، الأمر الذي أدى إلى اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، وأبرز الحاجة إلى مصادر بديلة وموثوقة للمواد التي ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي العالمي.

وفي هذا السياق، تحول الفوسفات المغربي إلى ورقة استراتيجية ذات قيمة متزايدة، بالنظر إلى امتلاك المملكة لأكبر احتياطات الفوسفات في العالم، فضلاً عن الدور المحوري الذي تضطلع به مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط في الأسواق الدولية. وتقول الصحيفة إن هذه المكانة سمحت للمجموعة بمواصلة التحرك في الأسواق المالية الدولية، بما في ذلك طرح سند هجين بقيمة 1.5 مليار دولار، في وقت كانت فيه أسواق الديون بالمنطقة تواجه حالة من عدم اليقين بفعل التوترات الجيوسياسية.

وتكشف الأزمة كذلك أن العلاقة المغربية الأمريكية لا تقوم على المصالح الاقتصادية وحدها، إذ يحتل التعاون العسكري موقعاً متقدماً في هذه الشراكة. فالمغرب يحمل منذ سنة 2004 صفة «حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي» للولايات المتحدة، وهو تصنيف يتيح له الاستفادة من برامج متقدمة للتعاون والتدريب العسكري. وتبقى مناورات «الأسد الإفريقي» أبرز صور هذا التقارب، بعدما تحولت إلى واحدة من أهم المناورات العسكرية الأمريكية في القارة الإفريقية، بمشاركة آلاف الجنود من عشرات الدول.

وفي نسخة 2026 من هذه المناورات، شارك أكثر من 5600 عسكري ينتمون إلى 40 دولة، فيما جرى الجزء الأكبر من التدريبات داخل الأراضي المغربية، وشمل عمليات برية وبحرية وجوية وتدريبات للقوات الخاصة، إلى جانب مناورات بالذخيرة الحية. وترى واشنطن في هذا التعاون فرصة لترسيخ وجود شريك مستقر في منطقة استراتيجية، خصوصاً في ملفات مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخباراتية والوصول العسكري، بينما يستفيد المغرب من شراكة دفاعية متقدمة تعزز قدراته وموقعه الإقليمي.

ولا يتوقف الدعم الأمريكي عند التعاون الأمني والعسكري، إذ بات ملف الصحراء المغربية أحد أبرز مظاهر التقارب بين البلدين. فواشنطن كانت قد اعترفت رسمياً بالسيادة المغربية على الصحراء، قبل أن تنتقل العلاقة إلى مستوى أكثر عملية من خلال دعم مشاريع اقتصادية في المنطقة. ومن أبرز المؤشرات على ذلك موافقة وكالة التجارة والتنمية الأمريكية على تخصيص 5.7 ملايين دولار لتمويل دراسات جدوى مرتبطة بمشروع مستقبلي لإنتاج الأمونيا في الصحراء، تبلغ قيمته الاستثمارية المقدرة 4.5 مليارات دولار.

وترى الصحيفة الإسبانية أن هذه الخطوة تحمل دلالة خاصة، لأنها تمثل تمويلاً أمريكياً لمشروع خاص في منطقة متنازع عليها، ما يعكس انتقال واشنطن من مجرد إعلان موقف سياسي إلى الانخراط الاقتصادي المباشر. وبالنسبة للمغرب، فإن هذا النوع من الاستثمارات يعزز الرؤية التي تسعى المملكة إلى ترسيخها بشأن تحويل الأقاليم الجنوبية إلى فضاء للاستثمارات والبنيات التحتية والمشاريع الاقتصادية الكبرى، في وقت يتزايد فيه الاهتمام الدولي بالمنطقة.

وفي المقابل، تبدو إسبانيا أمام وضع أكثر حساسية، إذ تتقاطع علاقتها التاريخية مع الولايات المتحدة مع موقع المغرب كشريك استراتيجي لواشنطن. ورغم أن مدريد أعلنت منذ 2022 أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب تمثل الأساس «الأكثر جدية وواقعية ومصداقية» لحل قضية الصحراء، فإنها لم تذهب إلى حد الاعتراف القانوني الرسمي بالسيادة المغربية، وهو ما يجعل الموقف الإسباني مختلفاً عن الموقف الأمريكي.

وتزداد حساسية المشهد بسبب الملفات العالقة بين الرباط ومدريد، وفي مقدمتها سبتة ومليلية المحتلتان والهجرة والأمن الحدودي. فقد شهدت الحدود خلال الفترة الأخيرة توترات مرتبطة بمحاولات دخول جماعية، بالتزامن مع مواقف مغربية تؤكد المطالبة بالسيادة على المدينتين، وهو ما قوبل برفض إسباني. ومع ذلك، فإن المصالح المشتركة بين البلدين تفرض استمرار التعاون، خصوصاً مع الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030 بشكل مشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال.

وبالتوازي مع ذلك، يواصل المغرب تنفيذ برنامج ضخم لتطوير البنيات التحتية استعداداً لهذا الاستحقاق الرياضي العالمي، باستثمارات تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، تشمل مشاريع للطرق والمطارات والمرافق الرياضية، وفي مقدمتها ملعب الحسن الثاني المرتقب أن تبلغ طاقته الاستيعابية نحو 115 ألف متفرج، وسط طموحات مغربية لاحتضان نهائي المونديال.

وتخلص القراءة الإسبانية إلى أن واشنطن لا تبدو مضطرة إلى الاختيار بين علاقتها التاريخية مع مدريد وشراكتها المتنامية مع الرباط، بل تعمل على تعزيز مصالحها مع الطرفين وفق حساباتها الاستراتيجية. غير أن التطورات الأخيرة تؤكد أن المغرب أصبح يمتلك أوراقاً متزايدة الأهمية في الحسابات الأمريكية، من موقعه الجغرافي إلى موارده الفوسفاتية، مروراً بدوره الأمني والعسكري ومشاريعه الاقتصادية الكبرى.

وبينما كشفت أزمة هرمز هشاشة سلاسل الإمداد العالمية وخطورة الارتهان لممرات استراتيجية محدودة، وجد المغرب نفسه في موقع أكثر قوة، مستفيداً من موارده الطبيعية وموقعه الجغرافي وشبكة شراكاته الدولية. وهكذا، لم تعد العلاقة بين واشنطن والرباط مجرد تحالف عابر تفرضه ظروف أمنية محددة، بل تتجه نحو شراكة متعددة الأبعاد، فيما تبدو إسبانيا أمام واقع إقليمي جديد يفرض عليها التعامل مع صعود الوزن الاستراتيجي للمغرب في الحسابات الأمريكية والدولية.

16/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts