في سابقة تكشف حجم الضغط الذي باتت تعاني منه المؤسسات السجنية في القارة الأوروبية، بدأت دول أوروبية تبحث عن حل غير مألوف لأزمة اكتظاظ السجون، عبر نقل سجناءها إلى مؤسسات سجنية خارج حدودها، بل واستئجار أماكن لهم في دول أخرى. وتتصدر السويد هذا التوجه باتفاق مع إستونيا يقضي بإيواء مئات السجناء السويديين مقابل أكثر من 30 مليون يورو سنوياً.
وبحسب مصادر إعلامية، يستعد نحو 30 سجيناً سويدياً محكومين في قضايا خطيرة لقضاء عقوباتهم في إستونيا، على بعد مئات الكيلومترات من الدولة التي حوكموا فيها. وتمثل هذه المجموعة أول دفعة سيتم نقلها خلال شهر غشت، ضمن اتفاق يتيح للسلطات السويدية إرسال ما يصل إلى 600 سجين إلى الدولة الواقعة في منطقة البلطيق.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه السويد ضغطاً متزايداً على مؤسساتها السجنية، بعدما أصبحت الطاقة الاستيعابية للسجون غير قادرة على مواكبة أعداد النزلاء. وبدلاً من انتظار بناء مؤسسات جديدة، اختارت السلطات السويدية اللجوء إلى حل خارجي يقوم على استخدام سجون دولة أخرى لاستيعاب جزء من سجناء البلاد.
ووصفت الحكومة السويدية الاتفاق بأنه خطوة «تاريخية»، بالنظر إلى كونه من أوضح النماذج الأوروبية لنقل تنفيذ العقوبات إلى خارج الحدود الوطنية. وستدفع ستوكهولم أكثر من 30 مليون يورو سنوياً لإستونيا مقابل استضافة مئات السجناء، في اتفاق يعكس أيضاً البعد الاقتصادي المتزايد لأزمة الاكتظاظ داخل السجون الأوروبية.
ولا يبدو أن السويد ستكون الدولة الوحيدة التي تسلك هذا الطريق، إذ بدأت دول أوروبية أخرى دراسة إمكانية عقد اتفاقيات مماثلة، بعدما تحولت أزمة اكتظاظ السجون إلى ملف ضاغط على الحكومات والسلطات القضائية. وتشير المعطيات التي أوردتها الصحيفة الإسبانية إلى أن دولاً مثل الدنمارك وكوسوفو دخلت بدورها ضمن النقاش الأوروبي حول إمكانية نقل بعض السجناء إلى مؤسسات سجنية خارج أراضيها.
وتطرح هذه السياسة الجديدة أسئلة حساسة تتجاوز مجرد توفير أماكن إضافية للسجناء، إذ يتعلق الأمر بنقل أشخاص صدرت بحقهم أحكام قضائية في بلد معين إلى بلد آخر لقضاء العقوبة. وهو ما يفتح الباب أمام نقاشات حول ظروف الاعتقال، وحقوق السجناء، والرقابة على المؤسسات السجنية، والمسؤولية القانونية للدولة التي أصدرت الحكم والدولة التي تستضيف السجين.
وتكشف الظاهرة في الوقت نفسه عن مفارقة لافتة في أوروبا، التي طالما ارتبطت سياساتها الجنائية بمعايير صارمة في مجال حقوق الإنسان وإعادة الإدماج. فمع تصاعد الضغط على السجون، بدأت بعض الحكومات تبحث عن «أسرة شاغرة» للسجناء خارج حدودها، في تحول قد يجعل استئجار السجون الأجنبية جزءاً من السياسة العقابية الأوروبية خلال السنوات المقبلة.
وبينما ترى الحكومات في هذه الاتفاقيات وسيلة سريعة لتخفيف الاكتظاظ وتوفير أماكن جديدة دون انتظار سنوات لبناء سجون إضافية، يخشى منتقدون من أن تتحول هذه السياسة إلى سوق عابرة للحدود يتم فيها التعامل مع السجناء باعتبارهم جزءاً من ترتيبات مالية بين الدول.
وفي مشهد يكاد يبدو من فيلم مستقبلي، قد تجد أوروبا نفسها أمام واقع غير مسبوق: سجين يُحاكم في بلد، ويصدر الحكم بحقه في بلد آخر، ثم يُرسل لقضاء عقوبته خلف أسوار دولة ثالثة. وبينما تتسابق الحكومات لإيجاد «خلايا شاغرة» قبل أن تنهار أنظمتها السجنية تحت وطأة الاكتظاظ، يلوح سؤال أكثر خطورة في الأفق: هل تتحول السجون الأوروبية قريباً إلى عقارات تُؤجَّر، والسجناء إلى «نزلاء» يعبرون الحدود وفق العقود والصفقات؟
وإذا استمر هذا المسار، فقد لا يكون المستغرب مستقبلاً أن تبحث الدول عن سجون أرخص، كما تبحث اليوم عن موانئ أو مناطق صناعية، فحين تعجز الدولة عن توفير زنزانة داخل حدودها، يصبح حتى السجن سلعة قابلة للتصدير والاستيراد.
16/08/2026