داخل الوكالة الحضرية للناظور، لا يتعلق الأمر اليوم بمجرد تأخر إداري عابر أو اختلاف في قراءة بعض ملفات البناء والتعمير. المعطيات التي توصلت بها جريدة “كواليس الريف” ترسم صورة أكثر إثارة للقلق: ملفات تبقى عالقة لأشهر، وأخرى تتأخر بشكل غير مفهوم، ومرتفقون يجدون أنفسهم أمام سلسلة من الملاحظات والعراقيل، في وقت يفترض فيه أن تكون المساطر واضحة، والآجال محددة، والمسؤوليات مضبوطة.
الأخطر أن النقاش لا يتوقف عند طريقة معالجة الملفات، بل يمتد إلى سؤال أكبر: من يملك القرار الحقيقي داخل الوكالة الحضرية للناظور؟ وهل المدير هو فعلاً من يتحكم في مختلف المصالح، أم أن هناك مراكز نفوذ داخل المؤسسة أصبحت أقوى من التسلسل الإداري؟
الوكالة الحضرية للناظور–الدريوش–جرسيف تدبر قطاعاً بالغ الحساسية، بالنظر إلى تغطيتها لأقاليم الناظور والدريوش وجرسيف، في وقت يتولى فيه مديرها الحالي، بصفة مؤقتة، أيضاً مهام تدبير الوكالة الحضرية بالحسيمة إلى حين تعيين مدير جديد.
وهذا الاتساع في المسؤوليات يجعل أي اختلال في تدبير الوكالة أكثر خطورة، لأن الأمر يتعلق بمؤسسة تتحكم في جزء أساسي من المسار الذي يمر منه البناء والاستثمار والمشاريع العقارية.
— ملفات تستوفي الشروط … لكنها لا تتحرك
المشكل الذي يطرح نفسه بقوة يتمثل في ملفات يقول أصحابها إنها مستوفية للوثائق المطلوبة وتحترم مقتضيات وثائق التعمير والتصاميم المعتمدة، ومع ذلك تجد نفسها عالقة داخل دواليب الوكالة.
المرتفق يقدم ملفه، ينتظر، ثم يتلقى ملاحظات، فيعود لاستكمالها، ثم تظهر ملاحظات أخرى، وقد يجد نفسه أمام دورة إدارية مفتوحة لا يعرف متى تنتهي.
وهنا لا يتعلق الأمر بحق الإدارة في رفض ملف مخالف للقانون؛ فهذا حق أصيل لا ينازع فيه أحد.
المشكلة تبدأ عندما يتحول التدقيق الإداري إلى تعطيل غير مبرر، وعندما يصبح المرتفق عاجزاً عن معرفة السبب الحقيقي وراء تأخر ملفه، أو المدة التي سيحتاجها للحصول على جواب نهائي.
اسم “أجياش” يتكرر داخل هذا الملف
في قلب هذه المعطيات يبرز اسم أحد المسؤولين داخل الوكالة، المعروف بـ”أجياش”، والذي تشير إليه شهادات مقاولين ومنتخبين ، بل وحتى مسؤولين … باعتباره أحد أبرز الأسماء المؤثرة في معالجة عدد من ملفات التعمير.
وتذهب مصادر الجريدة إلى أن هذا المسؤول أصبح، بحكم موقعه داخل المصالح، لاعباً أساسياً في مسار دراسة الملفات، خصوصاً تلك المرتبطة برخص البناء.
وتوجه إليه انتقادات حادة بسبب ما يعتبره مرتفقون ومهنيون تشدداً مفرطاً في التعامل مع أغلب الملفات، ( في وقت تعالح أخرى بسرعة البرق من طرف ذات المسؤول ، وخصوصا عندما يتدخل وسطاء من شبكته … ) وفرض ملاحظات متكررة تؤدي في أغلب الحالات إلى إطالة مدة الدراسة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا واضح:
هل كل هذه الملاحظات لها أساس تقني وقانوني موثق؟ أم أن السلطة التقديرية تحولت إلى وسيلة لتعقيد المساطر؟
والجواب لا يحتاج إلى تصريحات سياسية أو دفاعية، بل إلى افتحاص عينات من الملفات التي بقيت عالقة، ومقارنة تاريخ إيداعها بتاريخ معالجتها، ومراجعة الملاحظات التي سجلت عليها.
— أبو السعود … المسؤول السابق الذي لم يغادر المشهد
القضية تصبح أكثر إثارة عندما يظهر اسم مسؤول سابق بالوكالة، يدعى “أبو السعود” .
فحسب المعطيات الموثوقة التي توصلت بها الجريدة، فإن الرجل غادر منصبه السابق داخل الوكالة، لكنه واصل حضوره في مجال التعمير من خلال نشاط مهني خاص في مجال الهندسة.
— وهنا تبرز واحدة من أخطر النقاط التي تستوجب التحقيق:
هل انتهت علاقة المسؤول السابق بالوكالة بمجرد مغادرته منصبه، أم أن شبكة علاقاته داخل المؤسسة ما زالت تؤثر في مسار بعض الملفات؟
لا يتعلق الأمر باتهام شخص بمخالفة لم تثبت، وإنما بسؤال مشروع يفرض نفسه عندما يصبح مسؤول سابق في مؤسسة مكلفة بالتعمير ناشطاً مهنياً في القطاع نفسه.
وإذا كانت هناك ملفات تمر من الوكالة إلى مكاتب هندسة مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بذات المسؤول ، فإن الأمر يستوجب التدقيق في مسألة تضارب المصالح ومدى احترام القواعد القانونية والأخلاقية المنظمة للوظيفة العمومية.
— هل هناك تنسيق خارج التسلسل الإداري؟
المعطيات التي تحوزها الجريدة تثير أيضاً أسئلة حول طبيعة العلاقة بين “أجياش” و”أبو السعود” الذي أقيل من منصبه قبل حوالي سنة ، وحول التواصل أو التنسيق بين الطرفين ، والذي يتجاوز العلاقة المهنية العادية ، حيث أن أجياش عضو بارز في شبكة أبو السعود العقارية ، وذلك موضوع آخر سنعود إلى تفاصيله .
— ويبقى السؤال الأخطر: أين المدير؟
لكن كل هذه المعطيات تقود في النهاية إلى مسؤول واحد: مدير الوكالة الحضرية.
فالمدير لا يمكنه أن يقول إن الملفات لا تعنيه، أو أن مسؤولية التأخير تقع بالكامل على موظفين أدنى منه رتبة.
إذا كانت هناك ملفات تتعطل لأشهر، فالمدير مطالب بمعرفة أسباب ذلك.
إذا كانت هناك شكايات، فعليه أن يطلع عليها.
إذا كان هناك موظف يتجاوز اختصاصاته، فعليه أن يتدخل.
وإذا كان هناك تضارب في المصالح، فعليه أن يطلب التحقيق.
أما إذا كانت الأمور تتم خارج علمه، فذلك في حد ذاته يطرح سؤالاً أكبر حول طريقة تدبير المؤسسة.
— مدير يدير وكالتين … فمن يدير الناظور؟
هناك نقطة أخرى لا يمكن تجاهلها.
مدير الوكالة الحضرية للناظور يشرف، بصفة مؤقتة، على وكالة الحسيمة أيضاً، في انتظار تعيين مدير جديد.
وهذا يعني عملياً أن الرجل يتحمل مسؤولية إدارية واسعة تمتد إلى أكثر من مجال ترابي.
لكن اتساع المسؤوليات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لغياب الرقابة الداخلية.
بل العكس تماماً.
كلما اتسعت المسؤولية، أصبحت الحاجة إلى نظام صارم لتتبع الملفات وتحديد المسؤوليات أكبر.
فهل يستطيع المدير، في ظل هذه المسؤوليات المتعددة، مراقبة جميع المصالح داخل وكالة الناظور؟
وهل توجد آليات داخلية تمنع أي موظف من تحويل موقعه الإداري إلى مركز نفوذ مستقل؟
المواطن بين الإدارة والانتظار
في نهاية المطاف، المتضرر الأول ليس المدير ولا الموظف ولا المسؤول السابق.
المتضرر هو المواطن.
هو المستثمر.
هو صاحب المنزل الذي ينتظر رخصة.
هو صاحب المشروع الذي وضع أمواله في العقار والبناء.
وهو المهندس والمقاول الذي ترتبط مصالحه بآجال محددة.
كل يوم إضافي يقضيه الملف داخل الإدارة يعني تكلفة إضافية، وتأخيراً في الاستثمار، وربما خسائر مالية حقيقية.
لهذا فإن أي تأخير غير مبرر في ملفات التعمير لا يمكن اعتباره مجرد مشكلة إدارية صغيرة.
المطلوب ليس بيانات نفي … بل افتحاص
الوكالة الحضرية للناظور مطالبة اليوم بالخروج من منطق البيانات العامة إلى منطق الأرقام والوثائق.
كم ملفاً بقي عالقاً لأكثر من شهر؟
كم ملفاً تجاوز الآجال القانونية؟
كم ملفاً أعيدت دراسته أكثر من مرة؟
ما هي أسباب ذلك؟
ومن المسؤول عن كل ملف؟
وهل تمت مساءلة المسؤولين عن التأخير؟
كما أن الوزارة الوصية مطالبة بالتحقق من كل ما يثار حول وجود علاقات أو مصالح بين موظفين حاليين ومسؤولين سابقين ومكاتب خاصة تنشط في مجال التعمير والهندسة..
الناظور ينتظر جواباً واحداً
القضية اليوم ليست قضية “أجياش” أو “أبو السعود” وحدهما.
القضية هي: من يدير التعمير فعلياً داخل الوكالة الحضرية للناظور؟
هل هي الإدارة وفق القانون والمساطر؟
أم أن هناك مراكز نفوذ غير رسمية تتحكم في الملفات؟
وهل المدير يمارس سلطته كاملة؟
أم أن بعض المسؤولين داخل المؤسسة أصبحوا أقوى من المدير نفسه؟
وإلى أن يتم ذلك، ستبقى أبواب الوكالة الحضرية للناظور مفتوحة أمام سؤال واحد يزداد إلحاحاً :
من يتحكم في مفاتيح التعمير بالناظور من وراء الستار؟
17/08/2026