في مضيق جبل طارق، لا يتعلق الأمر هذه المرة بسفينة غادرت ميناءً أو بخط بحري غيّر مساره، بل بإعادة رسم هادئة، ولكن عميقة، لخريطة النفوذ الملاحي بين الضفتين. فالحكومة المغربية أطلقت إجراءات تجديد رخص تشغيل خطين بحريين استراتيجيين يربطان الجزيرة الخضراء بطنجة المتوسط، وطريفة بطنجة المدينة، في منافسة تستقطب اهتمام كبرى شركات الملاحة الدولية.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن المنافسة على إحدى الرخص دخلت مرحلتها الثانية، مع وصول ثلاث شركات ملاحية إلى هذه المرحلة، فيما برز اسم شركة La Méridionale الفرنسية، التابعة لمجموعة CMA CGM، ضمن الشركات التي يُعتقد أنها اجتازت المرحلة الأولى. كما يظهر اسم العملاق الدنماركي DFDS كأحد أبرز المهتمين بالمنافسة على خط طريفة–طنجة المدينة، بينما تمنح طبيعة العملية المجال أمام منافسة أوروبية واسعة على الرخص المغربية.
الخط الأول، الجزيرة الخضراء–طنجة المتوسط، يعد من أهم شرايين النقل في مضيق جبل طارق، بل هو الخط الذي يسجل أكبر حجم من حركة المسافرين في المنطقة. وتأتي الرخصة الجديدة لسد الفراغ الذي خلفته شركة Intershipping المغربية، التي توقفت عن العمل سنة 2023 بسبب مشاكل مالية، تاركة شركة Africa Morocco Link – AML ممثلة للجانب المغربي في هذا الخط.
واليوم، إلى جانب AML، تعمل على هذا المسار شركات Baleària وArmas Trasmediterránea وDFDS، في وقت تنتظر فيه DFDS موافقة السلطات الإسبانية على استحواذها على جزء من نشاط Armas، بعدما سبق لـBaleària أن استحوذت على إحدى امتيازات المجموعة.
أما الخط الثاني، طريفة–طنجة المدينة، فيحمل بدوره أهمية استراتيجية متزايدة. فالرصيف رقم 2 الذي يطرحه المغرب للمنافسة كان مرتبطاً سابقاً بنشاط Africa Morocco Link، في حين بدأت Baleària تشغيل الرصيف رقم 3 العام الماضي بعد فوزها بالمناقصة التي أطلقتها هيئة ميناء خليج الجزيرة الخضراء.
وتزداد أهمية هذا الخط مع اقتراب سنة 2030، موعد تنظيم كأس العالم لكرة القدم بشكل مشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، وهو ما يجعل مضيق جبل طارق مرشحاً لموجة أكبر من حركة المسافرين والمركبات والبضائع، ويمنح الخطوط البحرية بين الضفتين قيمة اقتصادية ولوجستية تتجاوز بكثير مجرد نقل المسافرين.
ومن هنا تحديداً تبدأ القصة السياسية. فالمغرب لم يعد يتعامل مع ممراته البحرية باعتبارها امتداداً طبيعياً لمصالح الشركات الإسبانية، ولا يرى أن الجوار الجغرافي يمنح أحداً حقاً دائماً في احتكار الشرايين التي تربط إفريقيا بأوروبا. المنافسة أصبحت مفتوحة، والسوق المغربية أصبحت قادرة على جذب شركات فرنسية ودنماركية وغيرها من كبريات المجموعات الملاحية الأوروبية.
والأكثر دلالة أن الرخص المغربية لا تُمنح بشكل آلي أو وفق منطق الاعتياد. فالمسطرة المغربية تبدأ بإبداء الاهتمام استناداً إلى دفتر شروط، ثم تقوم الإدارة بانتقاء مجموعة من الشركات، قبل الدخول في مفاوضات تضيق تدريجياً دائرة المنافسين وصولاً إلى المرشحين النهائيين، الذين يخوضون المنافسة الفعلية على الرخصة.
وهنا يظهر الفرق في فلسفة التدبير: المغرب لا يكتفي باستقبال الشركات، بل يحدد شروط اللعبة ثم يختار من يستطيع الاستجابة لها. والأهم أن الشركة التي ستشغل الرصيف المخصص للجانب المغربي مطالبة بأن تتوفر على أغلبية من رأس المال المغربي، وهو شرط يجعل المعركة التجارية مرتبطة أيضاً بالسيادة الاقتصادية على الخطوط البحرية.
كما أن المنافسة لا تجري في فراغ قانوني. فالاتفاق المغربي الإسباني الموقع سنة 1979 بشأن النقل البحري بين الضفتين ينص على حق كل طرف في تنفيذ ما لا يقل عن 40% من عمليات نقل المسافرين والبضائع، بما يضمن حضوراً متوازناً لشركات البلدين. وبالنسبة إلى الجانب الإسباني، يمكن لشركات الاتحاد الأوروبي المشاركة في المنافسات بحكم عضوية إسبانيا في الاتحاد.
لكن المعادلة تغيرت اليوم. فبعد سنوات من الحضور الإسباني القوي في حركة النقل عبر المضيق، تدخل شركات أوروبية جديدة على الخط، وتتحول الرخص المغربية إلى ورقة جذب لشركات دولية ترى في مضيق جبل طارق ممراً استراتيجياً بين إفريقيا وأوروبا.
شركة La Méridionale، التابعة لمجموعة CMA CGM، ليست مجرد منافس عابر؛ فهي تعمل في السوق الفرنسية ولها حضور في المغرب عبر خط مرسيليا–طنجة المتوسط. أما DFDS الدنماركية، التي استحوذت على FRS Iberia Maroc سنة 2024، فتملك خبرة مباشرة في هذا الممر، ما يجعل دخولها المحتمل في المنافسة على خط طريفة–طنجة المدينة ذا دلالة خاصة.
ولا تتوقف القصة عند تغيير أسماء الشركات. فهناك توجه نحو تحديث أساطيل العبارات ورفع كفاءة النقل البحري وتقليص الانبعاثات، في انسجام مع الأهداف الاستراتيجية لميناء الجزيرة الخضراء إلى غاية 2030. كما يجري العمل على زيادة أرصفة عبارات نقل المسافرين والبضائع من ثمانية إلى عشرة، بهدف الوصول إلى 7.5 ملايين مسافر و800 ألف مركبة تجارية بحلول 2030.
حتى البعد البيئي دخل إلى صلب المنافسة، إذ يُنتظر أن تستخدم الشركة الفائزة في خط طريفة–طنجة المدينة أنظمة التزويد الكهربائي من الرصيف OPS لتقليص الانبعاثات أثناء توقف السفن، بينما تبرز تجربة Baleària في استخدام السفن الكهربائية كنموذج محتمل لتحديث النقل البحري في المضيق.
وهكذا، فإن المعركة لم تعد فقط حول من يملك السفينة أو من ينقل المسافر والشاحنة، بل حول من يمتلك موقعاً داخل منظومة العبور الجديدة بين إفريقيا وأوروبا. طنجة المتوسط لم يعد مجرد ميناء ينافس موانئ الضفة الشمالية؛ لقد تحول إلى ورقة استراتيجية في معادلة المتوسط والأطلسي، وكل خط بحري يرتبط به أصبح جزءاً من منظومة اقتصادية ولوجستية وسياسية أوسع.
الرسالة المغربية تبدو واضحة: العلاقات مع إسبانيا مهمة، لكن المصالح المغربية ليست رهينة بها، والجغرافيا لا تمنح امتيازاً أبدياً. ومن اعتاد النظر إلى الضفة الجنوبية باعتبارها مجرد شريك ضروري للعبور، عليه أن يستوعب أن موازين القوة الاقتصادية واللوجستية تتغير.
فالمغرب لا يغلق الباب أمام الشركات الإسبانية، لكنه يفتح الباب على مصراعيه أمام المنافسة الدولية. وهذه المرة، لن يكون السؤال فقط: من سيعبر المضيق؟ بل من سيملك حق تشغيل الشرايين التي تعبره؟
وفي عرض مضيق جبل طارق، تتغير قواعد اللعبة بصمت، لكن الرسالة صاخبة: زمن اعتبار الخطوط البحرية امتيازاً محفوظاً بحكم الجوار يقترب من نهايته؛ فمن أراد أن يحجز مكانه في ممرات المغرب، فعليه أن يدخل من بوابة المنافسة والندية والشروط المغربية.
وقد يكون ما يحدث مجرد مناقصة في ظاهرها، لكنه في عمقها اختبار جديد لموازين النفوذ على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم. فالمغرب لا يغلق الباب أمام إسبانيا، لكنه لم يعد مستعداً لأن تكون إسبانيا هي الباب. ومن أراد عبور المضيق، فعليه أولاً أن يعرف من يملك مفاتيحه.
18/08/2026