لم تعد أزمة الهجرة في سبتة المحتلة مجرد مشهد عند الأسلاك الحدودية أو أرقام تتناقلها التقارير الأمنية، بل بدأت تطرق أبواب المتاجر والفنادق والمطاعم، وتضرب مباشرة في جيوب المهنيين. فقد حذرت غرفة التجارة من أن الخسائر الاقتصادية قد تتجاوز 27.7 مليون يورو إذا استمرت الأزمة إلى نهاية غشت، في رقم يكشف حجم الضغوط التي بات اقتصاد المدينة يواجهها، وكأن الأزمة قررت أن تتجاوز الحواجز لتصل هذه المرة إلى صناديق الحسابات.
وتُعد التجارة والفندقة والسياحة والخدمات من أكثر القطاعات تضرراً، بعدما تراجعت حركة الزبائن والزوار والحجوزات، فيما اضطرت بعض الأنشطة إلى إغلاق أبوابها في عز الموسم الصيفي. وبينما كانت المحلات تنتظر موسماً تجارياً يعوض ركود الأشهر الماضية، وجد أصحابها أنفسهم أمام واقع مختلف: زبائن أقل، مداخيل أقل، وحسابات أكثر احمراراً.
وتقدر غرفة التجارة الخسائر بنحو 7 ملايين يورو جراء الإغلاق أو الانخفاض الحاد في النشاط خلال الأيام الأولى من الأزمة، فيما تجاوزت خسائر إلغاء الاحتفالات المحلية 10 ملايين يورو، مع توقع خسارة إضافية تقدر بـ10.4 ملايين يورو خلال ما تبقى من غشت، بسبب إلغاء الحجوزات وتراجع عدد الزوار وانخفاض الاستهلاك.
والرقم الأكثر إثارة في هذه الحسابات أن مجموع الخسائر المحتملة يعادل نحو 17.3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي الشهري المتوسط للمدينة. أي أن الأمر لم يعد يتعلق بتراجع عابر في مبيعات متجر أو حجوزات فندق، وإنما بصدمة اقتصادية تضرب قطاعات تعتمد بشكل كبير على الحركة التجارية والسياحية وتدفقات الزوار، ولا سيما القادمين من الداخل المغربي عبر المنطقة الحدودية.
وهنا تظهر المفارقة التي يصعب تجاهلها: مدينة تقدم نفسها باعتبارها واجهة أوروبية مستقرة في الضفة الجنوبية للمتوسط، تجد اقتصادها يهتز بمجرد دخول العامل الأمني والحدودي على الخط. وكأن الاستقرار الذي يتم تسويقه في البيانات الرسمية يملك شروطاً خاصة جداً؛ يكفي أن تتوتر الحدود حتى تبدأ المطاعم في إغلاق أبوابها، والفنادق في فقدان حجوزاتها، والمتاجر في انتظار زبون قد لا يأتي.
ولمواجهة الوضع، أعلنت غرفة التجارة عن إجراءات موجهة إلى المقاولات الصغرى والمقاولين الذاتيين، تشمل الاستشارة المباشرة للمهنيين، وإعداد تقرير حول حجم الأضرار، والمساعدة في ملفات الدعم المرتبطة بتعليق الاحتفالات المحلية، إلى جانب المطالبة بإجراءات عاجلة لحماية المقاولات ومناصب الشغل.
لكن خلف هذه المطالب الاقتصادية تختبئ مشكلة سياسية أكبر. فغرفة التجارة لا تتحدث فقط عن خسائر آنية، بل تحذر أيضاً من الضرر الذي يمكن أن يلحق بصورة المدينة خارجياً، وما قد يترتب عنه من تراجع في الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية. وهذه ربما هي الفاتورة الأخطر، لأن خسارة ملايين اليوروهات يمكن تعويض جزء منها بالدعم، أما فقدان الثقة في مدينة مرتبطة باستمرار بالأزمات الحدودية، فاستعادتها تحتاج إلى وقت أطول بكثير.
أما الحدود الوهمية للجيب، التي شكلت لسنوات شرياناً مهماً للحركة التجارية، فقد كشفت الأزمة وجهها الآخر. فحين تكون الحركة مفتوحة نسبياً، تتحول الحدود إلى مصدر للنشاط، وحين تتوتر الأوضاع تصبح نفسها عاملاً يضغط على الاقتصاد. وبين الحالتين تقف سبتة المحتلة أمام معادلة صعبة: اقتصاد يريد الحركة، وسياسة أمنية لا تستطيع تجاهل ما يجري حول المدينة.
والأكثر إثارة أن الفاتورة لا تتوزع بالتساوي. فالتجار والمهنيون، وخصوصاً المغاربة المقيمون في الثغر، يجدون أنفسهم في مقدمة المتضررين من تراجع الحركة التجارية والاستهلاك. هؤلاء لا يتعاملون مع الأزمة كعنوان سياسي في نشرات الأخبار، بل كأرقام حقيقية تظهر في المداخيل اليومية، وفي رواتب العمال، وفي أبواب المحلات التي قد تجد نفسها مضطرة إلى الإغلاق إذا طال الانتظار.
وإذا استمرت الأزمة خلال الأيام المقبلة، فإن رقم 27.7 مليون يورو قد لا يبقى سوى محطة أولى في عداد الخسائر. فكل يوم إضافي من الركود يعني حجوزات ملغاة، وزبائن غائبين، ومطاعم وفنادق ومتاجر تخسر جزءاً جديداً من مداخيلها. ومع الوقت، قد تنتقل الأزمة من خسارة اقتصادية مؤقتة إلى أزمة ثقة يصعب إصلاح آثارها بمجرد ضخ مساعدات مالية.
وهكذا، تكشف أزمة سبتة المحتلة أن المعركة الحقيقية لا تدور فقط عند الأسلاك والحدود، بل داخل الأسواق أيضاً. فبينما تنشغل السلطات بحساب أعداد الوافدين وتدبير الملف الأمني، بدأت غرفة التجارة تعد فاتورة أخرى، أكثر هدوءاً ولكن أكثر إيلاماً: ملايين اليوروهات تتبخر من اقتصاد المدينة، والتجار ينتظرون الفرج، فيما يبدو أن الأزمة قررت أن توسع مجالها من الحدود إلى كل شارع تجاري.
وفي المشهد الأخير، تقف سبتة المحتلة أمام مرآة اقتصادية لا تجامل أحداً: أزمة هجرة بدأت كملف أمني، ثم تحولت إلى خسائر تجارية، وقد تنتهي بأزمة استثمار وثقة. وإذا تجاوز النزيف نهاية غشت، فقد يصبح السؤال الحقيقي ليس كم خسرت المدينة، بل كم ستحتاج لاستعادة ما خسرته. فـ27.7 مليون يورو قد تكون مجرد بداية للفصل الأكثر كلفة، حين تكتشف مدينة محاصرة بالأزمات أن الحدود الوهمية قد توفر لها مظلة أمنية، لكنها لا تستطيع وحدها حماية اقتصاد يقوم في جزء منه على حركة العبور والتجارة.
21/08/2026