من تجربة طفولة مثقلة بالفقدان والتحديات الاجتماعية، إلى واحدة من أبرز محطات الصعود السياسي، قطعت عائشة وهاب طريقاً استثنائياً انتهى بتحقيق إنجاز تاريخي في الولايات المتحدة، بعدما أصبحت أول أمريكية من أصول أفغانية تفوز بعضوية مجلس النواب عن ولاية كاليفورنيا.
وهاب، المنتمية إلى الحزب الديمقراطي والعضوة السابقة في مجلس شيوخ كاليفورنيا، حسمت الانتخابات الخاصة في الدائرة الرابعة عشرة لصالحها، متفوقة على منافستها الديمقراطية ميليسا هيرنانديز، بعدما حصلت على حوالي 53 في المائة من الأصوات مقابل نحو 47 في المائة لمنافستها، وفق النتائج الصادرة عن مقاطعة ألاميدا.
وبهذا الفوز، ستتولى وهاب مقعد النائب الديمقراطي السابق إريك سوالويل، لاستكمال الفترة المتبقية من ولايته إلى غاية يناير المقبل. غير أن المعركة الانتخابية لن تنتهي عند هذا الحد، إذ ستكون على موعد مع مواجهة جديدة أمام هيرنانديز في انتخابات نوفمبر، حيث سيتحدد الفائز بالمقعد لولاية كاملة في مجلس النواب، بحسب ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”.
لكن قصة عائشة وهاب تتجاوز بكثير مجرد أرقام انتخابية أو صراع حزبي. فقد بدأت رحلتها في ظروف إنسانية صعبة، بعدما فقدت والدها، قبل أن تتوفى والدتها لاحقاً، لتجد نفسها رفقة شقيقتها داخل نظام الرعاية البديلة، قبل أن تتبناهما أسرة في منطقة خليج سان فرانسيسكو.
هذه التجربة المبكرة تركت أثراً عميقاً على رؤيتها السياسية لاحقاً، خصوصاً بعدما عاشت بنفسها تداعيات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية. ففي عام 2011، فقدت الأسرة التي تبنتها منزلها بسبب عدم القدرة على سداد أقساط الرهن العقاري، كما فقد والداها بالتبني وظيفتيهما، بينما فقدت وهاب عملها أيضاً.
دفعتها هذه الظروف إلى الانتقال إلى مدينة هايوارد، وهناك بدأت تحضر اجتماعات المجلس المحلي، قبل أن تنخرط تدريجياً في العمل المدني والسياسي، خصوصاً في الدفاع عن توفير مساكن بأسعار يمكن للفئات محدودة الدخل تحملها.
وقبل أن تصبح اسماً بارزاً في السياسة، راكمت وهاب تجربة مهنية في عدد من المنظمات غير الربحية، وفي مجال تنظيم المجتمع والتكنولوجيا. كما عززت مسارها الأكاديمي بالحصول على شهادة في العلوم السياسية، ثم ماجستير في إدارة الأعمال ودكتوراه في العمل الاجتماعي، وهي مؤهلات انعكست لاحقاً على طبيعة الملفات التي جعلتها في صلب اهتماماتها السياسية.
وكانت أولى محطاتها الانتخابية البارزة سنة 2018، عندما دخلت التاريخ باعتبارها أول امرأة أمريكية من أصل أفغاني تفوز بمنصب منتخب في الولايات المتحدة، بعد انتخابها عضوة في مجلس مدينة هايوارد.
ولم تتوقف مسيرتها عند هذا الحد، إذ انتقلت لاحقاً إلى مجلس شيوخ ولاية كاليفورنيا، لتصبح أول أمريكية من أصل أفغاني وأول امرأة مسلمة تصل إلى هذه المؤسسة التشريعية.
وعلى امتداد مسارها السياسي، ارتبط اسم وهاب بمواقف تقدمية وملفات اجتماعية واقتصادية، في مقدمتها أزمة السكن، والعدالة الاقتصادية، والمساواة، وحقوق العمال، وهي قضايا تبدو مرتبطة بشكل مباشر بالتجارب التي عاشتها في مراحل مختلفة من حياتها.
ولم يكن فوزها في الانتخابات الأخيرة سهلاً، بعدما تحولت المنافسة إلى سباق شديد الحدة، شهد إنفاقاً مالياً كبيراً من جماعات سياسية دعمت هيرنانديز أو عملت على مهاجمة وهاب. ومع ذلك، تمكنت الأخيرة من انتزاع الفوز، في نتيجة حملت دلالات سياسية تتجاوز حدود الدائرة الانتخابية.
ويرى بعض المراقبين أن النتيجة شكلت أيضاً ضربة لنفوذ جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، خصوصاً في ظل الدعم الذي حظيت به هيرنانديز من مجموعات سياسية من بينها “أيباك”.
وبينما احتفلت وهاب بانتصارها التاريخي، فإن الطريق نحو تثبيت حضورها في الكونغرس لم يُحسم بعد. فالمواجهة مع ميليسا هيرنانديز ستتجدد في انتخابات نوفمبر المقبل، وهذه المرة من أجل الظفر بولاية كاملة في مجلس النواب.
وبذلك، تتحول قصة عائشة وهاب من مجرد صعود سياسي لوجه جديد إلى مسار استثنائي بدأ بفقدان الأسرة والاستقرار، مروراً بالعمل المدني والنضال من أجل السكن والعدالة الاجتماعية، وانتهى بوصول امرأة أمريكية من أصول أفغانية ومسلمة إلى واحدة من أهم المؤسسات السياسية في الولايات المتحدة.
21/08/2026