kawalisrif@hotmail.com

الناظور :   فيديو … من “سبتة إلى تلمسان” زاوية نعمة المنعم الحي القيوم لعسارة تستعيد ذاكرة التصوف

الناظور : فيديو … من “سبتة إلى تلمسان” زاوية نعمة المنعم الحي القيوم لعسارة تستعيد ذاكرة التصوف

تزامناً مع أجواء الاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف، تستعيد زاوية نعمة المنعم الحي القيوم لعسارة بجماعة إيكسان بإقليم الناظور، التابعة للطريقة العلاوية، حضورها الروحي، في مناسبة تتجاوز بعدها الاحتفالي لتفتح نافذة على واحد من أعمق مكونات الذاكرة الدينية والثقافية لمنطقة الريف والمغرب.

وتنشط الزاوية في إحياء الليالي الدينية والمواسم السنوية، وفي مقدمتها ذكرى المولد النبوي الشريف، كما تضطلع بدور في استقبال الحجاج، وتسعى إلى ترسيخ قيم المحبة والذكر والتآخي، والحفاظ على الموروث الصوفي والروحي الذي توارثته الأجيال في المنطقة.

فالزاوية في الريف لم تكن مجرد فضاء للعبادة والذكر، وإنما كانت، عبر التاريخ، مدرسة للتربية الروحية، ومكاناً للعلم والتواصل والتكافل، وفضاءً احتفظت داخله الأجيال بتراث المديح النبوي والأذكار والمواسم الدينية، بما جعلها جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والثقافي للمنطقة.

وفي هذا السياق، تستوقف كلمة عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، التي ألقاها أمس السبت 22 غشت الجاري، في رحاب مجمع الزاوية، حول تاريخ التصوف في المنطقة وامتداداته، باعتبارها إضاءة على موروث روحي وثقافي ضارب في القدم. ووفق المعطيات التي تضمنتها كلمته، فإن التصوف ظل حاضراً في المنطقة على امتداد نحو خمسة عشر قرناً، بما يعكس عمق الجذور الروحية التي رافقت تاريخ المغرب ومجاله المغاربي.

ومن أبرز ما يستوقف في هذا السياق، حديث بوصوف عن الامتداد الجغرافي للتصوف في الريف، الذي يمتد، وفق تعبيره، من سبتة المحتلة إلى تلمسان، في صورة تعكس فضاءً روحياً وثقافياً أوسع من الحدود السياسية والجغرافية الحديثة، وتبرز الروابط التاريخية التي جمعت شمال المغرب بعمقه المغاربي.

كما تكتسب سبتة المحتلة مكانة خاصة في هذه الذاكرة الروحية، إذ وصفها بوصوف بالعاصمة الروحية للمغرب، مشيراً إلى أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف بدأ فيها لأول مرة بالمغرب، وهو ما يمنح المدينة مكانة بارزة في تاريخ الاحتفاء بهذه المناسبة الدينية وفي الذاكرة الروحية للمغاربة.

وهذه الإشارة إلى سبتة، الخاضعة للإدارة الإسبانية، لا تقف عند حدود الجغرافيا، بل تستحضر مرحلة تاريخية كانت فيها المدينة جزءاً من المجال الحضاري والروحي المغربي، ومركزاً للتواصل العلمي والديني، قبل أن تفرض التحولات السياسية والجغرافية واقعاً جديداً على المنطقة.

ومن الناظور، تبدو زاوية نعمة المنعم الحي القيوم لعسارة، التي يشرف عليها شيخها الدكتور أحمد خرطة، عميداً بالنيابة لكلية العلوم القانونية والسياسية بالناظور، التابعة لجامعة محمد الأول بوجدة، واحدة من الحلقات التي تحفظ هذا الإرث في الذاكرة المحلية. وخلال المناسبات الدينية الكبرى، تتحول الزاوية إلى فضاء لاستحضار السيرة النبوية والمديح والذكر، واستعادة أجواء روحانية توارثتها الأجيال.

إن الحديث عن التصوف في الريف هو، في العمق، حديث عن ذاكرة جماعية، عن قرى ومداشر وزوايا كانت تؤدي أدواراً تتجاوز الوظيفة الدينية، فتساهم في ترسيخ قيم التضامن والتآخي والتكافل، وتوفر فضاءً يجتمع فيه الناس حول قيم المحبة والذكر والتواصل.

ولذلك، فإن الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف داخل الزوايا الريفية لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد طقس موسمي، بل باعتباره مناسبة لاستحضار تاريخ طويل من الممارسات الروحية، وإعادة اكتشاف جزء من الذاكرة الثقافية للمنطقة، وتوثيق تراث شفهي وروحي تناقلته الأجيال.

ومن سبتة المحتلة إلى تطوان وشفشاون والحسيمة والناظور، وصولاً إلى تلمسان، تتضح صورة فضاء مغاربي كانت فيه الطرق الصوفية والزوايا جسوراً للتواصل الروحي والعلمي. ومن هنا، تصبح عبارة بوصوف حول امتداد التصوف في الريف من سبتة إلى تلمسان مدخلاً لقراءة تاريخ المنطقة من زاوية مختلفة، زاوية الذاكرة الروحية والثقافية.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات، تصبح المحافظة على هذا التراث مسؤولية جماعية، ليس فقط من خلال صيانة الزوايا، وإنما أيضاً عبر توثيق تاريخها، وجمع الروايات المرتبطة بها، والتعريف برجالاتها وشيوخها وموروثها في الذكر والمديح، حتى لا تختفي صفحات مهمة من ذاكرة الريف تحت وطأة النسيان.

وتأتي ذكرى المولد النبوي الشريف لتعيد الاعتبار لهذا الإرث، فتلتقي المناسبة الدينية بالذاكرة المحلية، ويصبح المكان شاهداً على استمرار تقليد روحي امتد عبر قرون، من سبتة المحتلة إلى ربوع الريف، وصولاً إلى عمق مغاربي يمتد إلى تلمسان.

إن زاوية نعمة المنعم الحي القيوم لعسارة ليست مجرد معلمة دينية محلية، بل نافذة على ذاكرة ريفية تستحق أن تُقرأ وتُوثق وتُعرّف للأجيال الجديدة. وفي رحاب المولد النبوي الشريف، يعود صوت الزاوية ليذكر بأن للريف تاريخاً روحياً عميقاً، وأن التصوف، كما أبرز محمد بوصوف، ليس ظاهرة عابرة ولا محصورة في بقعة واحدة، بل موروث ممتد عبر نحو خمسة عشر قرناً، من سبتة إلى تلمسان، حاملاً معه ذاكرة العلم والذكر والمحبة والروحانية عبر أجيال متعاقبة.

23/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts