في الوقت الذي تتسع فيه ظاهرة الحيوانات الضالة بعدد من المدن والمناطق، يبدو أن القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة اختار بدوره أن يدخل مرحلة الضياع، لكن هذه المرة داخل دهاليز الإدارة والتدبير العمومي. فقد وجّه النائب البرلماني نور الدين مضيان، عضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، سؤالا إلى وزير الداخلية، يستفسر فيه عن مآل تنزيل مقتضيات القانون، وعن الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لتفعيله على أرض الواقع.
السؤال البرلماني لم يأت من فراغ، بل يعكس واقعا أصبحت فيه الحيوانات الضالة جزءا من المشهد اليومي في عدد من المدن، وسط شكايات متزايدة من المواطنين، ومخاوف مرتبطة بالسلامة والصحة العامة، مقابل غياب حلول واضحة ومستدامة. والمفارقة أن القانون موجود، والمقتضيات التشريعية موجودة، لكن ما ينقص هو الشيء الأصعب دائما : التنفيذ.
ويشير مضيان إلى أن موضوع حماية الحيوانات الضالة لم يعد مجرد قضية هامشية، بل أصبح مرتبطا بتدابير قانونية وتنظيمية تثير نقاشا واسعا داخل المجتمع، خصوصا في ظل ما يرافق هذا الملف من أبعاد إنسانية ووجدانية وثقافية، لاسيما بالنسبة إلى الحيوانات الأليفة. غير أن تحويل هذا النقاش إلى سياسة عمومية فعالة يقتضي أكثر من إصدار النصوص وتركها تنتظر دورها في رفوف الإدارات.
والواقع أن مأزق الحيوانات الضالة يكشف مرة أخرى تلك المسافة الغريبة بين التشريع والتنفيذ. فالقوانين قد تصدر بلغة دقيقة ومحكمة، لكن عندما تصل إلى الجماعات الترابية قد تصطدم بضعف الإمكانيات، وغياب الموارد، وتداخل الاختصاصات، ثم ينتهي الأمر بالمواطن إلى مواجهة المشكلة في الشارع، بينما تتوزع المسؤوليات بين المؤسسات، وتظل الحلول الفعلية مؤجلة إلى إشعار آخر.
ولذلك، يطالب البرلماني مضيان بتوضيح التدابير والإجراءات التي تعتزم الوزارة اعتمادها لمواكبة الجماعات الترابية في مجال تدبير الحيوانات الضالة، بما يضمن حماية المواطنين من جهة، واحترام الرفق بالحيوان من جهة أخرى، ويساهم في الحد من انتشار الظاهرة بشكل مستدام. وهي معادلة تبدو بسيطة على الورق، لكنها في الواقع تحتاج إلى سياسة واضحة، بدل حلول موسمية تبدأ مع ارتفاع الشكايات وتنتهي بمجرد هدوء الضجيج.
والأكثر إثارة في هذا الملف أن المغرب أصبح أمام سؤال لا يمكن تأجيله أكثر: ماذا بعد القانون؟ فإصدار النصوص ليس نهاية الطريق، بل بدايته الحقيقية. وإذا لم تتوفر الجماعات الترابية على الوسائل والإمكانات اللازمة، ولم تحدد المسؤوليات بدقة، ولم ترافق القوانين بحملات توعية وتواصل فعالة، فإن أفضل التشريعات يمكن أن تتحول ببساطة إلى حبر أنيق فوق ورق رسمي، بينما يظل الواقع يكتب روايته الخاصة في الشوارع.
وفي انتظار جواب وزارة الداخلية، يبقى المواطن أمام مشهد لا يخلو من العبث: حيوانات ضالة تتجول في الشوارع، جماعات تبحث عن الإمكانيات، مواطنون يطالبون بالحماية، وجمعيات تدافع عن الرفق بالحيوان، بينما القانون نفسه ينتظر من يخرجه من الورق إلى الواقع. وهنا بالضبط تكمن المفارقة: المشكلة لم تعد في غياب القانون، بل في غياب الآليات التي تجعله قابلا للتنفيذ. فالقوانين لا تحمي المواطنين ولا الحيوانات بمجرد وجودها في الجريدة الرسمية، وإنما عندما تتحول إلى إجراءات وميزانيات ومسؤوليات ومحاسبة.
ولعل السؤال الذي وجهه مضيان إلى وزير الداخلية يضع الكرة في ملعب الحكومة بوضوح: هل حان وقت التعامل الجدي مع هذا الملف، أم أن الحيوانات الضالة ستظل هي الأخرى ضحية لظاهرة مألوفة في التدبير العمومي، حيث تصل النصوص بسرعة إلى الورق، لكنها تحتاج زمنا طويلا حتى تجد طريقها إلى الواقع؟
ويبدو أن الإشكال لم يعد مرتبطا بغياب القانون رقم 19.25 بقدر ما يرتبط بغياب النصوص التنظيمية الكفيلة بتحويل مقتضياته إلى إجراءات واضحة وملزمة على أرض الواقع. فالقانون، مهما كانت دقة مقتضياته، يظل عاجزا عن إنتاج أثره إذا بقيت النصوص التي تحدد كيفيات تنزيله حبيسة الانتظار. وبين قانون صدر ونصوص تنظيمية لم تر النور بعد، تبقى الجماعات الترابية أمام فراغ تدبيري، ويظل المواطن أمام ظاهرة تتفاقم، فيما تظل حماية الحيوانات نفسها معلقة بين النص والتطبيق. وهكذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل لدينا قانون؟ بل: متى ستصل النصوص التنظيمية إلى الشارع، حتى يتوقف القانون عن كونه مجرد عنوان جميل في الجريدة الرسمية، ويتحول أخيرا إلى واقع يلمسه المواطن وتلتزم به المؤسسات؟
24/08/2026