kawalisrif@hotmail.com

بلجيكا توقف عبور شحنة أسلحة أمريكية إلى المغرب … حين تتحول شحنة بـ81 مليون يورو إلى مادة دعائية

بلجيكا توقف عبور شحنة أسلحة أمريكية إلى المغرب … حين تتحول شحنة بـ81 مليون يورو إلى مادة دعائية

في خبر صيغ بعناية ليبدو وكأنه صفعة أوروبية جديدة للمغرب، أعلنت منصة محسوبة على الطرح الانفصالي أن السلطات الفلامندية في بلجيكا رفضت الترخيص بعبور شحنة من المعدات العسكرية الأمريكية المتجهة إلى المغرب، بقيمة معلنة تتجاوز 81 مليون يورو. ومنذ السطر الأول، يبدو أن الخبر لا يريد فقط إخبار القارئ بقرار إداري، بل يدفعه نحو استنتاج سياسي جاهز: المغرب متورط في نزاع إقليمي، وأوروبا بدأت تضيق الخناق عليه.

لكن بين القرار البلجيكي وما تحاول المنصة إلباسه من دلالات سياسية، توجد مسافة واسعة. فالخبر نفسه يتحدث عن رفض ترخيص عبور شحنة محددة، استنادًا إلى التشريعات البلجيكية المتعلقة بالمواد الاستراتيجية ونقل المعدات العسكرية. ومع ذلك، سرعان ما يتحول الإجراء الإداري في صياغة الموقع إلى “مثال جديد” على ما يسميه الكاتب السياسة العسكرية المغربية والتوترات الإقليمية. أي أن وثيقة ترخيص عبور تحولت، بقدرة تحريرية خارقة، إلى حكم سياسي شامل على المغرب.

المثير أن المنصة لا تكتفي بعرض القرار، بل تضع قضية الصحراء المغربية في قلب الرواية، ثم تستعمل عبارات من قبيل “الاحتلال المغربي” و”التوسعية المغربية”، وكأن المطلوب ليس تحليل القرار البلجيكي، وإنما إعادة تدوير الخطاب السياسي لجبهة البوليساريو والجزائر في قالب خبر دولي. والأغرب أن النص يقدم مواقف سياسية محل خلاف وكأنها حقائق نهائية، من دون منح القارئ مساحة للتمييز بين ما هو قرار إداري صادر عن السلطات البلجيكية، وما هو توصيف سياسي تتبناه الجهة الناشرة.

فهل رفض عبور شحنة عسكرية عبر الأراضي البلجيكية يعني أن بلجيكا أعلنت موقفًا جديدًا من قضية الصحراء المغربية؟ وهل يشكل قرار صادر عن السلطات الفلامندية حكمًا أوروبيًا جماعيًا على العلاقات العسكرية بين المغرب والولايات المتحدة؟ أم أن الأمر يتعلق، ببساطة، بتطبيق السلطات المختصة لقواعدها الوطنية والأوروبية على شحنة معينة رأت أنها تستوجب الرفض؟

هذه الأسئلة لا تجد جوابًا واضحًا في المقال، لأن الهدف يبدو مختلفًا: صناعة عنوان كبير من واقعة محدودة. فالخبر يبدأ بشحنة قيمتها أكثر من 81 مليون يورو، ثم يقفز مباشرة إلى “النزاع الإقليمي”، وبعدها إلى العلاقات المغربية الإسبانية والجزائرية، ثم إلى الصحراء المغربية، قبل أن ينتهي بتقديم القرار كأنه مؤشر على عزلة المغرب العسكرية. إنها وصفة تحريرية جاهزة: سلاح، المغرب، الصحراء المغربية، أوروبا، ثم كلمة “توتر”… والنتيجة مادة مثالية للاستهلاك السياسي.

وحتى عبارة “المغرب طرف في نزاع مسلح إقليمي”، التي ينسب المقال مضمونها إلى تقييم السلطات الفلامندية، تحتاج إلى التعامل معها بدقة شديدة. فالمهم هنا هو معرفة حيثيات القرار الرسمي، ونطاق الشحنة، وطبيعة المعدات، والأساس القانوني المحدد للرفض، بدل تحويل القرار إلى رواية جيوسياسية شاملة. أما القفز من رفض ترخيص عبور إلى استنتاج أن أوروبا بصدد تغيير موقفها من المغرب، فهو أقرب إلى التمني السياسي منه إلى التحليل الصحفي.

والأكثر دلالة أن الموقع نفسه يربط الخبر بحملة دعم مالية، ويعلن أن مهمته تتمثل في “تعزيز العدالة والسلام وحقوق الإنسان في الصحراء”، قبل أن ينتقل في المادة نفسها إلى تقديم رواية سياسية أحادية الجانب. وهذا لا يمنع الموقع من نشر ما يشاء، لكنه يجعل من الضروري بالنسبة للقارئ أن يعرف أنه لا يقرأ تقريرًا محايدًا عن قرار بلجيكي فحسب، بل مادة صادرة عن منصة لها موقف معلن من النزاع.

أما المغرب، فليس بحاجة إلى التهويل المضاد ولا إلى تحويل كل قرار أوروبي إلى مؤامرة. شحنات السلاح، وتراخيص عبورها، وعقود الدفاع، والعلاقات العسكرية المغربية الأمريكية، كلها ملفات تخضع لحسابات قانونية واستراتيجية معقدة. وقد يكون قرار بلجيكا مهمًا فعلًا، لكن أهميته تُقاس بالوثائق الرسمية وبمدى تأثيره الفعلي، لا بحجم العناوين التي تُبنى حوله.

ومن هنا، فإن الخبر الحقيقي ليس بالضرورة أن “بلجيكا بدأت حصار المغرب”، كما قد يوحي السياق الذي اختارته المنصة، وإنما أن جهة إقليمية بلجيكية رفضت ترخيص عبور شحنة عسكرية أمريكية متجهة إلى المغرب، في قرار يستحق المتابعة لمعرفة أسبابه الدقيقة وتداعياته الفعلية. وما عدا ذلك يبقى، إلى أن تظهر معطيات موثوقة إضافية، مجرد تحميل سياسي لقرار إداري أكثر مما يحتمل.

وفي النهاية، يبدو أن الشحنة لم تصل بعد إلى المغرب، لكن الخبر وصل سريعًا إلى وجهته السياسية: صناعة انتصار إعلامي من قرار ترخيص، وتحويل شحنة من المعدات العسكرية إلى “زلزال جيوسياسي”. فالميناء لم يُغلق، والتحالفات لم تنهَر، وأوروبا لم تعلن الحرب الدبلوماسية على الرباط… لكن في مختبر الدعاية، تكفي ورقة إدارية واحدة لصناعة أزمة بحجم قارة.

وهكذا، بينما تنتظر الشحنة مصيرها وفق القانون البلجيكي، يبدو أن أصحاب الرواية سبقوها ووصلوا بها إلى الصحراء المغربية، ثم أعادوها إلى بروكسل، مرورًا بالجزائر ومدريد وواشنطن، قبل أن يعلنوها “حصارًا أوروبيًا” على المغرب! باختصار: الشحنة توقفت في بلجيكا، أما الحقيقة فتبدو أنها توقفت عند بوابة المبالغة… أما العناوين، فقد حصلت على تأشيرة مفتوحة للسفر بلا حدود.

26/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts