لم يكن الإعلان المتأخر لحزب الاستقلال عن أسماء وكلاء اللوائح الجهوية النسائية مجرد محطة انتخابية عادية، بل فتح من جديد ملفاً بالغ الحساسية داخل “الميزان” : كيف تُمنح التزكيات؟ ومن يملك مفاتيح الوصول إلى البرلمان؟ وهل أصبحت الكفاءة والنضال الحزبي في المرتبة الثانية أمام المال والاسم العائلي وشبكات النفوذ؟
بعد طول انتظار، كشف حزب الاستقلال، الخميس، عن أسماء المرشحات اللواتي سيتصدرن لوائحه الجهوية بمختلف جهات المملكة. غير أن اللائحة سرعان ما أعادت إلى الواجهة انتقادات قديمة بشأن طبيعة المعايير المعتمدة في اختيار المرشحين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواقع متقدمة تمنح أصحابها حظوظاً كبيرة في الوصول إلى مجلس النواب.
ففي جهة الرباط سلا القنيطرة، اختار الحزب رحمة طيبي وزاني، وبالدار البيضاء سطات سلمى العالمي، وبطنجة تطوان الحسيمة وئام الجلولي، فيما دفع بحليمة الزومي في فاس مكناس.
أما مراكش آسفي، فكانت من نصيب سلمى أحلوش، وسوس ماسة لكنزة قيوح، وبني ملال خنيفرة لهالة زكراني، ودرعة تافيلالت لابتسام طارق، فيما اختار الحزب لطيفة الطيبي لجهة الشرق.
كما رشح “الميزان” سلوى كرمون بجهة كلميم وادنون، ومفيدة وداد بجهة العيون الساقية الحمراء، وفاطمة ولد عمر بجهة الداخلة وادي الذهب.
وعند قراءة هذه الأسماء خارج البيانات الحزبية الرسمية، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: هل الأمر أمام تجديد حقيقي للنخب السياسية، أم أمام إعادة إنتاج للنفوذ نفسه بأسماء جديدة؟
من زايو إلى سوس، ومن فاس إلى الجنوب، وصولاً إلى أسماء مرتبطة بعائلات إستقلالية معروفة مثل قيوح والزومي والطيبي وغيرهم ، يجد النقاش حول العائلات السياسية طريقه مجدداً إلى الواجهة.
ولا يتعلق الأمر هنا بالطعن في حق أي مرشحة في الترشح، فكون شخص ما ينتمي إلى عائلة سياسية لا يعني تلقائياً عدم كفاءته. الإشكال، كما يقول منتقدون، يبدأ عندما يصبح الاسم العائلي أو القرب من شخصية حزبية نافذة بمثابة بطاقة عبور إلى مواقع انتخابية متقدمة، بينما تجد مناضلات أخريات قضين سنوات داخل التنظيمات الحزبية أنفسهن خارج الحسابات.
ففي الكواليس السياسية، أحاديث واتهامات عن قيام بعض الراغبين في الترشح بدفع مبالغ كبيرة مقابل الحصول على تزكية حزبية أو موقع متقدم في لائحة انتخابية. كما هو الشأن في أحزاب الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية والحركة الشعبية، والتي تطرح سؤالاً خطيراً: ماذا لو أصبحت التزكية السياسية سلعة لها ثمن؟
حينها لا يعود المواطن أمام منافسة سياسية حقيقية، وإنما أمام منظومة يستطيع فيها صاحب المال شراء موقع انتخابي، بينما يستطيع صاحب الاسم العائلي الوصول إليه بفضل نفوذ أسرته.
وهنا تبرز المفارقة: واحدة تدخل من باب المال، وأخرى من باب العائلة، والثالثة من باب النفوذ الحزبي.. فأين هي المنافسة المفتوحة؟
ولا يبدو هذا النقاش مقتصراً على حزب الاستقلال، إذ سبق أن أثيرت انتقادات مماثلة داخل أحزاب أخرى، مع حديث سياسي وإعلامي متكرر عن تأثير المال والعلاقات الشخصية والعائلية في صناعة التزكيات.
لكن حزب الاستقلال يجد نفسه أمام مسؤولية سياسية إضافية، بحكم تاريخه الطويل وكونه واحداً من أعرق الأحزاب المغربية. ولذلك فإن استمرار الحديث عن التوريث السياسي أو الزبونية أو شراء المواقع الانتخابية، حتى في شكل اتهامات متداولة، يفترض أن يدفع قيادة الحزب إلى تقديم أجوبة واضحة للرأي العام.
لماذا اختيرت هذه المرشحة دون تلك؟
ما هي معايير الاختيار؟
هل تم اعتماد الكفاءة والمسار النضالي أم الاعتبارات الانتخابية والعائلية؟
وهل توجد آليات داخلية للتحقق من أي ادعاءات مرتبطة بالمال مقابل التزكية؟
أسئلة مشروعة، خصوصاً أن الأمر لا يتعلق بمنصب حزبي داخلي بسيط، وإنما بترشيحات تقود إلى المؤسسة التشريعية وتمنح أصحابها فرصة تمثيل ملايين المغاربة.
وفي جهة الشرق، يأخذ النقاش بعداً إضافياً مع استحضار الأسماء التي جرى تداولها خلال مرحلة التفاوض حول التزكيات، في وقت سبق أن أثير فيه الحديث عن مرشحات الجهة ، قبل أن يستقر الاختيار النهائي على لطيفة الطيبي.
وفي الجنوب، يبرز اسم كنزة قيوح، في استمرار حضور عائلة سياسية استقلالية معروفة، وهو ما يعيد إلى النقاش سؤالاً أكبر حول مدى قدرة الأحزاب المغربية على فتح الطريق أمام نخب جديدة لا تحمل أسماء سياسية موروثة.
وبالمثل، فإن حضور حليمة الزومي وهالة الزكراني إبنة البرلماني ورئيس جماعة خريبكة ، ثم سلمى أحلوش إبنة البرلماني عبد الرزاق أحلوش عن مراكش ، بالإضافة إلى مفيدة وداد قريبة النافذ حمدي ولد الرشيد رئيس جماعة العيون بالصحراء ، ضمن لائحة وكلاء الجهات يعيد إلى الواجهة النقاش نفسه حول استمرار حضور العائلات والشخصيات التاريخية داخل مواقع القرار الانتخابي.
مرة أخرى، لا يعني ذلك أن الانتماء إلى عائلة سياسية يسقط أهلية المرشح أو المرشحة. لكن الديمقراطية الحزبية تصبح محل سؤال عندما يشعر المناضل العادي بأن المسار الطويل داخل الحزب قد لا يساوي شيئاً أمام اسم عائلي معروف أو شبكة علاقات قوية أو قدرة مالية كبيرة.
لهذا السبب، يرى عدد من المتابعين أن الوقت حان لفتح نقاش حقيقي حول مستقبل اللوائح الجهوية النسائية نفسها، وليس فقط حول أسماء المرشحات.
فإذا كان الهدف منها هو تمكين النساء من ولوج البرلمان، فلماذا لا تكون معايير اختيار المرشحات معلنة وشفافة؟ ولماذا لا يتم اعتماد مساطر داخلية تسمح لجميع المناضلات والكفاءات بالتنافس على قدم المساواة؟
بل إن أصواتاً تطالب بإعادة النظر في القانون المنظم لانتخابات مجلس النواب، وإلغاء اللوائح الجهوية بصيغتها الحالية، والبحث عن نموذج انتخابي يضمن تمثيلية النساء دون تحويل التزكية إلى امتياز حزبي مغلق.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يبقى على الأحزاب أن تجيب بوضوح، لا بالشعارات، عن سؤال التزكيات: هل الطريق إلى البرلمان مفتوح أمام الجميع، أم أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا لمن يملك الاسم أو النفوذ أو المال؟
28/08/2026