لم تعد صورة سبتة المحتلة، كما تحاول مدريد تسويقها، تلك المدينة الأوروبية الهادئة التي تنعم بالاستقرار جنوب الضفة الإسبانية، بعدما بدأت شهادات من داخلها تكشف وجهاً آخر أكثر قسوة وإرباكاً. فالأزمة لم تعد مجرد ملف حدودي أو قضية هجرة أو سجال سياسي بين الرباط ومدريد، بل تسللت إلى المدارس والأسر والتلاميذ، حتى أصبح الخوف والقلق جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.
المفارقة أن الاعتراف هذه المرة لم يأتِ من خصم سياسي أو من جهة مغربية، بل من داخل المؤسسة التعليمية نفسها، بعدما تحدث أستاذ تاريخ الفن بمدرسة الفنون في سبتة، دافيد مونيوث، عبر إذاعة COPE الإسبانية، عن حالة الإنهاك النفسي التي يعيشها عدد من التلاميذ، وكشف أنه بكى أمام هذا الوضع، متحدثاً عن حالة يومية من عدم اليقين وعن سؤال ثقيل يفرض نفسه باستمرار: من يضمن ألا يحدث شيء؟
حين يصل الخوف إلى المدرسة، تصبح الحكاية أكبر من مجرد تصريحات سياسية. فالأستاذ الذي يفترض أن يقف أمام التلاميذ ليشرح لهم الفن والتاريخ، وإن كان تاريخاً يراه المغاربة مشوباً بالرواية الاستعمارية، يجد نفسه منشغلاً بأسئلة الأمن والسلامة والطمأنينة. وحين يصبح المدرس نفسه عاجزاً عن تقديم إجابات مقنعة، فإن الحديث عن مدينة مستقرة وآمنة يبدأ في فقدان بريقه، مهما حاولت البيانات الرسمية تزيين الصورة وإلباسها ثوب الطمأنينة.
وبحسب الشهادة المنقولة عنه، فإن صفارات الإنذار أصبحت جزءاً من المشهد اليومي، فيما تحضر الشرطة الوطنية والحرس المدني وعناصر الأمن الخاص، بل وحتى العسكريون، في محيط المؤسسات التعليمية. وهنا تبرز مفارقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح: مدينة يقال إنها تنعم بالأمن والاستقرار، لكنها تحتاج إلى كل هذا الحضور الأمني حتى يشعر أطفالها بأن الطريق إلى المدرسة يمكن أن يكون آمناً، وكأن المدرسة أصبحت نقطة أمنية أكثر منها فضاءً للتعلم.
والأكثر إثارة أن هذه الأجواء لا تؤثر فقط في التلاميذ، بل تمتد إلى الأسر والمدرسين والمؤسسات نفسها. ووفق ما نقله الأستاذ، تضم المدينة أكثر من 13 ألف تلميذ، فيما ظهرت، بحسب شهادته، إشكالات وفوارق في التعامل مع المؤسسات التعليمية، خصوصاً فيما يتعلق بالمراقبة والتدابير الصحية والأمنية. وبينما تنشغل مدريد بتدبير الصورة السياسية للمدينة، يجد الآباء أنفسهم منشغلين بسؤال أبسط بكثير: هل أبناؤنا بخير؟
وعندما خرجت الأسر للاحتجاج والمطالبة بعدم تحويل أبنائها إلى مواطنين من الدرجة الثانية، وفق التعبير الوارد على لسان المتحدث، تحركت وزارة التعليم الإسبانية والمسؤولون في مدريد للإعلان عن إجراءات واعتمادات استثنائية. وكأن قاعدة التدبير أصبحت واضحة: لا استجابة قبل الاحتجاج، ولا حلول قبل أن يصل الغضب إلى الشارع، ولا اهتمام كامل بالمؤسسات إلا عندما تتحول مطالبها إلى قضية إعلامية تضع السلطات أمام اختبار جديد.
هنا تحديداً يظهر التناقض الذي تحاول بعض الخطابات الرسمية إخفاءه. فمدريد تتحدث عن السيادة والسيطرة والأمن، بينما تخرج أصوات من داخل سبتة نفسها للحديث عن القلق والإنهاك والاحتجاج والخوف. وبين الخطاب الرسمي والواقع اليومي مسافة تبدو أكبر من أن تغطيها المؤتمرات الصحفية أو البيانات السياسية أو كثافة الحضور الأمني، لأن الوقائع التي يعيشها السكان أقوى من أي خطاب رسمي.
والأستاذ لم يتحدث فقط عن التلاميذ، بل أشار إلى تغير أجواء الحياة داخل المدينة نفسها، حيث أصبحت حالة الترقب حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية. وعندما تتحول المدرسة إلى فضاء للقلق، وتصبح صفارات الإنذار جزءاً من الذاكرة اليومية للطفل، فإن الأزمة تكون قد تجاوزت الحواجز والأسلاك ودخلت إلى المكان الذي يفترض أن يكون أبعد ما يكون عن الخوف: القسم الدراسي، حيث يفترض أن يكون الكتاب والسبورة والمعرفة هي العناوين الرئيسية.
أما الأسر، من المستوطنين الإسبان والمغاربة القاطنين بالمدينة، فهي تدفع الثمن النفسي لهذا الوضع. فالأب والأم لا ينظران إلى سبتة من زاوية البيانات الحكومية ولا من خلال خرائط السيادة، بل من زاوية أبنائهما الذين يذهبون صباحاً إلى المدرسة. ولذلك فإن السؤال الذي يهمهم ليس فقط من رفع العلم فوق المبنى، وإنما من يستطيع أن يضمن سلامة الطفل عندما تتحول المدينة إلى فضاء أمني مفتوح على الاحتمالات.
واللافت أن دعوة الأستاذ الإسباني إلى خروج السكان يوم 2 شتنبر، بمناسبة ما يسمى يوم سبتة، للتعبير عن التضامن مع سكان المدينة، تكشف بدورها عن حجم الحاجة إلى إيصال صوت السكان إلى مدريد. فإذا كانت المدينة تعيش بالفعل كل ذلك الاستقرار الذي تتحدث عنه الخطابات الرسمية، فلماذا تحتاج معاناتها إلى حملة تضامن داخل إسبانيا نفسها حتى تجد من يسمعها؟ ولماذا يحتاج سكان مدينة تقول مدريد إنها مستقرة إلى رفع أصواتهم كي تصل رسالتهم إلى المركز؟
من هنا تعود سبتة المحتلة إلى حقيقتها الجغرافية التي لا تستطيع السياسة إلغاءها. فالمدينة تقع على الساحل الشمالي للمغرب، وتعيش في قلب فضاء مغاربي، وتظل مرتبطة بمحيطها المغربي اقتصادياً واجتماعياً وجغرافياً، مهما ارتفعت الأسوار وتشددت المراقبة. فالجغرافيا لا تتغير بمرسوم، والتاريخ لا يعاد رسمه كل صباح بالأعلام، والحدود السياسية لا تستطيع أن تمحو حقيقة الموقع الطبيعي للمدينة.
ولهذا فإن الأزمة الحالية تكشف مفارقة أكبر من مجرد أزمة أمنية أو تعليمية. فكلما حاولت مدريد تقديم سبتة باعتبارها نموذجاً أوروبياً مستقراً، خرج من داخل المدينة من يروي تفاصيل مختلفة: صفارات إنذار، حضور أمني مكثف، أسر قلقة، تلاميذ متوترون، ومدرس يعترف بأنه بكى. إنها صورة لا تنسجم كثيراً مع البروشورات الوردية التي تُقدم عن المدينة السليبة، ولا مع الخطاب الذي يريد اختزال كل مشاكلها في مجرد أرقام أمنية أو ملفات حدودية.
والأربعاء المقبل، ستستعد سبتة المحتلة للاحتفال بما تسميه سلطات الاحتلال عيد المدينة، بينما ينظر المغاربة إلى المناسبة باعتبارها ذكرى مرتبطة باستمرار احتلال ثغر مغربي. سترفع الأعلام، وستلقى الخطب، وستتكرر عبارات السيادة والانتماء، وستلتقط الصور الرسمية، وربما ستعلو الموسيقى فوق الساحات، فيما يبقى سؤال الأمن والقلق حاضراً في المدارس والأحياء، وكأن الاحتفال الرسمي شيء والواقع اليومي شيء آخر تماماً.
يا لها من مفارقة: مدينة تحتفل بالسيادة وتستعين بمزيد من الأمن، وتحتفل بالاستقرار بينما يخرج مدرس للحديث عن الانهيار النفسي، وتحتفل بعيدها بينما تظل محكومة بجغرافيا مغربية لا تستطيع الأسلاك الشائكة أن تمحوها. وكأن المشهد كله يقول إن هناك فرقاً بين ما يقال في المنابر الرسمية وما يعيشه الناس في تفاصيل يومهم، وأن كثرة الرايات لا تستطيع بالضرورة أن تخفي كثرة الأسئلة.
سيقال إن سبتة إسبانية، وسترفع الرايات الإسبانية، وستقرع الطبول، وستوزع خطابات الفخر، لكن الاحتفال لن يستطيع تغيير موقع المدينة على الخريطة. فسبتة ليست في شمال إسبانيا، ولا توجد في قلب شبه الجزيرة الإيبيرية، بل تقف على الساحل الشمالي للمغرب، وهو واقع جغرافي لا يحتاج إلى مؤتمر صحفي كي يثبت نفسه، ولا إلى جنود كي يحرسوه، ولا إلى احتفال سنوي كي يعاد تذكيره.
والأربعاء المقبل، لن يكون بالنسبة إلى المغاربة مجرد موعد في روزنامة الاحتفالات الإسبانية، بل مناسبة لاستحضار سؤال التاريخ والذاكرة: هل يستطيع احتفال رسمي أن يجعل الاحتلال أمراً طبيعياً؟ وهل تستطيع الأعلام أن تلغي ذاكرة الشعوب؟ وهل يمكن لأسلاك الحدود أن تعيد رسم الجغرافيا؟ أسئلة قد تبدو بسيطة، لكنها تظل حاضرة كلما عادت المناسبة نفسها، لأن التاريخ لا ينتهي بمجرد أن تنتهي مراسم الاحتفال.
يمكنهم الاحتفال كما يشاؤون، ويمكنهم رفع الرايات كما يشاؤون، ويمكنهم إطلاق الخطب الطويلة عن السيادة والانتماء، لكن هناك شيئاً لا تستطيع مدريد السيطرة عليه: ذاكرة المكان. فالأرض لا تحفظ فقط آثار الأقدام، بل تحفظ أيضاً أسماءها وتاريخها وموقعها، وتظل الجغرافيا أكثر عناداً من كل الخطابات، وأقوى من كل الأسوار، وأطول عمراً من أي إدارة سياسية عابرة.
وهكذا ستنتهي المراسم، وستنطفئ الأضواء، وستعود الطبول إلى الصمت، وستطوى الأعلام بعد انتهاء الاحتفال، لكن سبتة المحتلة ستظل في مكانها نفسه: على الضفة الجنوبية للمتوسط، فوق الساحل المغربي، محاطة بأسوار تستطيع تنظيم العبور، لكنها لا تستطيع تغيير الخريطة. وسيعود السكان إلى مدارسهم وأحيائهم وشوارعهم، لتبقى الأسئلة التي كشفها الأستاذ الإسباني معلقة في الهواء.
أما المغاربة، فلن يحتاجوا إلى رفع أصواتهم كثيراً. يكفي أن ينظروا إلى الخريطة ويتركوا الجغرافيا تتحدث. فالتاريخ لا يحتاج إلى حارس مدني، ولا إلى شرطي، ولا إلى دبابة، ولا إلى سياج شائك حتى يتذكر أين توجد الأرض. وقد يحتفل من يحتفل، لكن الحقيقة الجغرافية لا تدخل في عطلة، والذاكرة المغربية لا تحتاج إلى دعوة رسمية كي تتذكر. سيقرعون الطبول ليوم واحد، لكن الجغرافيا ستواصل قرع الحقيقة كل يوم.
31/08/2026