عادت الأزمة الاقتصادية التي تعيشها مليلية المحتلة إلى الواجهة من جديد، بعدما أطلق رئيس كونفدرالية رجال الأعمال في المدينة، إنريكي ألكوبا، تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات المتواصلة للقيود المفروضة على الحركة التجارية والحدودية مع الناظور، مؤكداً أن عدداً كبيراً من المقاولات والمتاجر بات يواجه تراجعاً حاداً في رقم المعاملات، وصل في بعض الحالات إلى 40 في المائة.
وخلال مشاركته في برنامج إذاعي على شبكة COPE الإسبانية، اعتبر ألكوبا أن اقتصاد مليلية يدفع ثمناً باهظاً منذ إغلاق الجمارك التجارية سنة 2018، مشيراً إلى أن القرار المغربي أدى، بحسب روايته، إلى اختفاء أو انتقال نحو 100 شركة كانت تنشط في مجال التصدير، وهو ما وجه ضربة قوية إلى نموذج اقتصادي ظل لسنوات مرتبطاً بالحركة التجارية مع محيط المدينة المغربي.
ولم يخف رئيس منظمة أرباب العمل في مليلية حجم الأزمة، موضحاً أن مختلف القطاعات التجارية تعاني حالياً من انخفاض في المبيعات يتراوح بين 20 و40 في المائة، بسبب اعتماد المدينة بشكل أكبر على الاستهلاك الداخلي، بعدما تقلص تدفق الزبائن القادمين من الجانب المغربي بشكل كبير.
وتشكل هذه النقطة تحديداً أحد أكبر مصادر القلق بالنسبة إلى التجار وأصحاب المطاعم والفنادق، إذ إن غياب الزبون المغربي عن أسواق مليلية المحتلة يعني، بالنسبة إلى قطاعات واسعة، فقدان شريحة مهمة من المستهلكين الذين كانوا يساهمون في تنشيط الحركة التجارية خلال فترات طويلة من السنة.
ولم تتوقف الأزمة عند إغلاق الجمارك التجارية، بل امتدت إلى طريقة تدبير حركة المسافرين بعد إعادة فتح المعابر في ماي 2022. وبحسب ألكوبا، فإن نظام المسافرين يعمل عملياً في اتجاه الخروج من مليلية، من دون استعادة نظام متبادل يسمح بدخول المقتنيات والمشتريات من الجانب المغربي، وهو ما تعتبره الأوساط الاقتصادية المحلية عائقاً إضافياً أمام انتعاش التجارة.
وفي محاولة للضغط على الحكومة الإسبانية، انتقد رئيس كونفدرالية رجال الأعمال ما وصفه بتأخر تنفيذ الوعود المتعلقة بتطبيع الوضع الجمركي، معتبراً أن استمرار الانتظار، بعد سنوات من اللقاءات والتعهدات، يضع اقتصاد المدينة أمام حالة متواصلة من عدم اليقين.
وفي الوقت نفسه، طالب ألكوبا مدريد بمزيد من الدعم لمليلية، ليس فقط على المستوى الأمني، وإنما أيضاً على المستويين الاقتصادي والاستثماري، مشيراً إلى أن الخطة الشاملة الموجهة إلى سبتة ومليلية، والتي تتجاوز قيمتها 700 مليون يورو، لا تزال تثير تساؤلات داخل الأوساط الاقتصادية بشأن حجم الاستثمارات التي وصلت فعلياً إلى أرض الواقع.
وبينما تحاول سلطات مليلية البحث عن بدائل لنموذجها الاقتصادي التقليدي، تتجه الأنظار إلى التكنولوجيا والجامعة والسياحة، إلى جانب محاولة استقطاب مستثمرين من مناطق إسبانية مختلفة عبر الترويج للمزايا الضريبية التي تتمتع بها المدينة.
وفي هذا السياق، يدفع أرباب العمل باتجاه إنشاء منطقة اقتصادية خاصة تمنح مليلية امتيازات إضافية وتجعلها أكثر قدرة على جذب رؤوس الأموال والشركات، في وقت بات فيه واضحاً أن اقتصاد المدينة لم يعد قادراً على الاستمرار بالاعتماد على المعابر والحركة التجارية الحدودية بالشكل الذي كان سائداً خلال العقود الماضية.
وتكشف هذه التصريحات، في نهاية المطاف، عن مأزق اقتصادي تعيشه مليلية المحتلة؛ فكلما ضاقت حركة الحدود مع المغرب، انكمش هامش الحركة التجارية داخل المدينة، وكلما تراجع حضور المستهلك المغربي، ازداد الضغط على التجار والمقاولات وقطاعات الخدمات.
وبينما تبحث مدريد عن مخارج لإنقاذ اقتصاد المدينة، يظل السؤال الأكبر مطروحاً بقوة: هل تستطيع مليلية بناء نموذج اقتصادي مستقل عن محيطها المغربي، أم أن الجغرافيا ستظل أقوى من كل الخطط والرهانات السياسية والاقتصادية؟
31/08/2026