kawalisrif@hotmail.com

باريس تقطع الماء عن الحزب القومي الباسكي بسبب “مخالفات” في القصر الذي “وهبه” له سانشيز سنة 2024

باريس تقطع الماء عن الحزب القومي الباسكي بسبب “مخالفات” في القصر الذي “وهبه” له سانشيز سنة 2024

في واقعة تحمل كثيراً من المفارقات، أقدمت شركة المياه العمومية في العاصمة الفرنسية باريس على قطع إمدادات الماء عن قصر انتقل من حيازة الدولة الإسبانية إلى الحزب القومي الباسكي، بعد رصد ما وصفته بـ”مخالفات إدارية”. ووفق ما أوردته صحيفة إسبانية، فإن إشعاراً عُلّق على باب المبنى يشير إلى وجود مشكلة مرتبطة بعقد الماء وتغيير اسم المستفيد، بعدما لم تتم تسوية الوضعية الإدارية عقب انتقال العقار إلى الحزب.

وتعود القصة إلى 24 دجنبر 2024، عندما قررت حكومة بيدرو سانشيز نقل القصر الواقع في الرقم 11 من شارع مارسو بالعاصمة الفرنسية إلى الحزب القومي الباسكي، في خطوة أثارت منذ بدايتها جدلاً سياسياً وقانونياً واسعاً داخل إسبانيا. ويتعلق الأمر بمبنى تبلغ مساحته نحو 1309 أمتار مربعة، ظل لعقود مرتبطاً بالمؤسسات الثقافية الإسبانية في باريس، قبل أن ينتقل إلى الحزب بموجب مقتضى أُدرج في مرسوم قانوني شامل صدر في نهاية سنة 2024.

وكان الحزب القومي الباسكي يطالب بهذا العقار منذ سنوات، مستنداً إلى ما يعتبره ارتباطاً تاريخياً بين المبنى والحكومة الباسكية في المنفى. غير أن هذه المطالب، وفق المعطيات التي أوردها المصدر الإسباني، لم تحظ باعتراف قضائي حاسم، إذ سبق لمحاكم فرنسية وللمحكمة العليا الإسبانية أن رفضت ادعاءات الملكية التي تقدم بها الحزب، في ظل عدم تقديم الوثائق الكافية لإثبات حقوقه القانونية في العقار.

ورغم ذلك، مضت حكومة سانشيز في عملية التفويت، مبررة القرار بما وصفته بـ”الارتباط التاريخي” للمبنى بالحزب القومي الباسكي، وذلك في إطار مقتضيات مرسوم قانوني تضمن حزمة من الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية. والأكثر إثارة للجدل أن وزارة السياسة الإقليمية والذاكرة الديمقراطية أقرت لاحقاً، عقب مطالبة هيئة الشفافية والحكم الرشيد، بعدم وجود تقارير تقنية أو قانونية مسبقة مرتبطة بعملية نقل العقار من ملكية الإدارة العامة للدولة إلى الحزب.

وتزداد القضية إحراجاً مع كشف تفاصيل الوضع الحالي للقصر، الذي لم يعرف منذ تفويته استعمالاً يوازي قيمته الرمزية وموقعه في قلب باريس. ففي شتنبر 2025، حل وفد من الحزب بالمبنى لفترة وجيزة، حيث أعاد فتحه ووضع علم إقليم الباسك على شرفته، قبل أن تنتهي المراسم ويعود القصر إلى الإغلاق. ومنذ ذلك الحين، ظل المبنى شبه مغلق، فيما استمرت التساؤلات السياسية والإدارية بشأن طريقة تدبيره ووضعه القانوني.

ويحمل القصر تاريخاً ثقيلاً، إذ ارتبط بالمؤسسات الباسكية في المنفى عقب الحرب الأهلية الإسبانية، قبل أن تستولي عليه السلطات النازية خلال احتلال فرنسا، ثم ينتقل لاحقاً إلى إسبانيا. ومنذ ذلك الحين، ظل العقار تحت حيازة الإدارة العامة للدولة الإسبانية، إلى أن قررت حكومة سانشيز نقله إلى الحزب القومي الباسكي، في خطوة فتحت الباب أمام انتقادات سياسية وقانونية لم تتوقف منذ ذلك الحين.

ولم تتوقف الاعتراضات عند حدود الخطاب السياسي، إذ سبق لحزبي الشعب وفوكس الدفع نحو إخضاع عملية التفويت لتدقيق هيئة الرقابة المالية الإسبانية. كما طالب زعيم حزب فوكس، سانتياغو أباسكال، الحزب القومي الباسكي بإعادة القصر، ملوحاً باللجوء إلى القضاء. وتزامن ذلك مع استمرار الجدل بشأن الوثائق والدراسات التي كان يفترض أن تؤطر عملية نقل عقار ظل لعقود ضمن أملاك الإدارة العامة للدولة الإسبانية.

أما التطور الأخير، فيبدو أكثر سخرية من كل ما سبقه: قصر فخم في قلب باريس، انتقل إلى حزب سياسي بعد سنوات من المطالبات، لكنه وجد نفسه في مواجهة مشكلة إدارية مرتبطة بالماء. فبعد كل الجدل حول التاريخ والملكية والذاكرة والحقوق، انتهى الأمر إلى قطع الإمدادات بسبب عدم تسوية تغيير اسم صاحب عقد الماء. وكأن القصر اكتشف، بعد انتقاله إلى مالك جديد، أن امتلاك عقار في باريس شيء، وتسوية أوراقه الإدارية ودفع فواتيره شيء آخر.

وفي النهاية، تحولت حكاية القصر الباريسي من ملف تتقاطع فيه الذاكرة والتاريخ والسياسة والملكية إلى مشهد عبثي لا يخلو من السخرية: عقار فاخر انتقل من أملاك الدولة الإسبانية إلى حزب سياسي بقرار حكومي مثير للجدل، ثم وجد نفسه بلا ماء بسبب أوراق إدارية لم تُسوَّ. وبينما لا تزال الأسئلة معلقة حول خلفيات التفويت وغياب التقارير التي تبرره، جاء صنبور باريس ليطرح سؤالاً أكثر بساطة وقسوة: كيف يمكن أن تُحسم معضلة قصر في قلب باريس، بينما تعجز الإدارة عن تسوية عقد الماء؟ هكذا انتهى العقار الذي كان يفترض أن يكون رمزاً لـ”الذاكرة التاريخية” إلى عنوان محرج: لا ماء في القصر… ولا أجوبة شافية حول كيف وصل إليه أصلاً.

01/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts