في مشهد يعيد إلى الواجهة نبرة من الخطاب الاستعلائي الذي ظن كثيرون أنه أصبح جزءاً من الماضي، عادت أصوات عسكرية إسبانية متقاعدة إلى التلويح بالمواجهة مع المغرب، في محاولة تبدو أقرب إلى استعراض القوة منها إلى قراءة واقعية لموازين القوى والتحولات العميقة التي تعرفها المنطقة.
فبدل أن تنخرط مدريد في خطاب عقلاني يراعي طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية وتشابك المصالح بين البلدين، اختار بعض الجنرالات السابقين لغة التصعيد، مستحضرين سيناريوهات عسكرية قصوى حول سبتة ومليلية، وكأن المنطقة لا تزال تعيش في زمن كانت فيه إسبانيا قادرة على فرض أجندتها على جيرانها بالقوة.
الأكثر إثارة للجدل جاء على لسان الجنرال المتقاعد فرانسيسكو خوسيه غان بامبولس، المدير السابق للاستخبارات العسكرية الإسبانية، الذي تحدث عن قدرة إسبانيا على “إطفاء المغرب خلال 24 ساعة”، في تصريح يعكس، قبل أي شيء، مستوى الثقة المفرطة في الخطاب العسكري الإسباني، ويطرح سؤالاً بسيطاً: هل يتعلق الأمر بتقييم استراتيجي جدي، أم برسالة للاستهلاك الداخلي ومحاولة لإعادة إنتاج صورة التفوق العسكري؟
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ دخل الأدميرال السابق خوان رودريغيز غارات على الخط، متحدثاً عن سيناريوهات مواجهة واسعة يمكن أن تشمل أهدافاً ومنشآت حيوية مغربية، إلى جانب استخدام القدرات الجوية والبحرية والسيبرانية.
وتبدو هذه اللغة أقرب إلى سيناريوهات الحرب الباردة منها إلى منطق العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، خصوصاً أن المغرب لم يعد البلد الذي يمكن التعامل معه بمنطق التهديد أو التخويف.
وما يثير الانتباه أن هذه التصريحات تزامنت مع تغطية إعلامية ركزت على استعراض القدرات العسكرية الإسبانية، بما فيها مقاتلات “Eurofighter” و”F-18″ والقواعد العسكرية، في محاولة لإظهار تفوق عسكري واضح.
لكن استعراض المعدات العسكرية شيء، وامتلاك القدرة على إدارة حرب معقدة وتحمل تبعاتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية شيء آخر تماماً.
فالمغرب خلال السنوات الأخيرة أعاد بناء موقعه الإقليمي والدولي بصورة متسارعة، وطوّر شراكات استراتيجية متعددة، وعزز قدراته الدفاعية، ووسع علاقاته العسكرية والأمنية مع قوى دولية وازنة.
وهنا تحديداً تبدو بعض الخطابات الإسبانية وكأنها لم تستوعب بعد حجم التحول الذي حدث على الضفة الجنوبية للمتوسط.
فالمغرب الذي تواجهه إسبانيا اليوم ليس مغرب الأمس؛ إنه دولة ذات حضور إفريقي متنامٍ، وشبكة واسعة من الشراكات الدولية، واقتصاد يتجه إلى ترسيخ موقعه كمحور إقليمي، ومشاريع استراتيجية كبرى تعيد تشكيل موقعه في غرب المتوسط والقارة الإفريقية.
أما سبتة ومليلية، فإن تحويلهما إلى ذريعة للتلويح بالحرب لن يغير حقيقة أن المدينتين تشكلان إحدى أكثر القضايا حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.
وقد حاولت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس، خلال زيارتها إلى سبتة، التأكيد على أن أي اعتداء على المدينتين سيكون بمثابة اعتداء على إسبانيا.
غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في أن التعامل مع المدينتين بمنطق عسكري صرف لا يلغي الخلفية التاريخية والسياسية للقضية، ولا يجعل الأمر الواقع حقيقة أبدية غير قابلة للنقاش.
والأخطر أن استمرار بعض الأصوات الإسبانية في استعمال لغة “الردع” و”الحرب” قد يعطي الانطباع بأن مدريد ما زالت تنظر إلى المغرب من زاوية أمنية ضيقة، بدل التعامل معه كقوة إقليمية صاعدة وشريك لا يمكن تجاوزه في ملفات المتوسط والهجرة والأمن والطاقة والتجارة.
في المقابل، لا يبدو أن المغرب في حاجة إلى الدخول في حرب تصريحات مع الجنرالات المتقاعدين.
فالقوة الحقيقية لا تقاس بعدد التصريحات النارية، ولا بحجم التهديدات التي تطلقها وسائل الإعلام، وإنما بقدرة الدولة على بناء اقتصاد قوي، وتطوير مؤسساتها، وتنويع تحالفاتها، وتعزيز قدراتها الدفاعية، وفرض حضورها في محيطها الإقليمي والدولي.
ومن هذه الزاوية، فإن الهدوء المغربي أمام هذا النوع من التصريحات يمكن قراءته باعتباره ثقة بالنفس أكثر منه تراجعاً أو خوفاً.
فالمغرب اليوم يملك أوراقاً متعددة، ولا تنحصر قوته في المجال العسكري وحده، بل تمتد إلى موقعه الجغرافي، وشبكة علاقاته الدولية، ودوره في إفريقيا، وأهميته بالنسبة إلى أوروبا، فضلاً عن موقعه المتقدم في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والتعاون الاقتصادي.
والمفارقة أن بعض الأصوات الإسبانية لا تزال تتحدث وكأن مجرد استعراض مقاتلات وسفن حربية كفيل بإخضاع المغرب أو إرغامه على قبول الأمر الواقع.
وإذا كانت مدريد تريد فعلاً الحفاظ على علاقات مستقرة مع الرباط، فإن الطريق ليس عبر تصريحات الجنرالات المتقاعدين ولا عبر الحملات الإعلامية التي تستعرض سيناريوهات الحرب، وإنما عبر الحوار والاحترام المتبادل والاعتراف بأن المغرب أصبح رقماً صعباً في معادلة غرب المتوسط.
أما محاولة تخويف المغرب عبر استعراض القوة، فإنها قد تكشف في نهاية المطاف عن العكس تماماً: كلما ارتفع سقف التهديد الإسباني، بدا أن جزءاً من المؤسسة الإسبانية لا يزال يبحث عن إجابة عن سؤال واحد: كيف تتعامل إسبانيا مع مغرب أصبح أقوى وأكثر استقلالية وأوسع نفوذاً؟
والجواب، ببساطة، لا يوجد في الطائرات ولا في السفن الحربية، وإنما في السياسة الواقعية.
فالمغرب الجديد لا يُدار بمنطق التهديد، ولا تُرسم خياراته الاستراتيجية عبر تصريحات جنرالات متقاعدين، ولا يمكن إعادته إلى صورة الماضي مهما ارتفع صخب الخطاب العسكري في الضفة الشمالية للمتوسط.
01/09/2026